اقتصاد

المصارف ترفض قانون “الكابيتال كونترول”… فهل يشطب المركزي المخالفين؟

 لبنان عربي – جواد العلي

 

في كل الأزمات الكبرى التي تتعرض لها الدول، تصيب تأثيرات الأزمة جميع القطاعات والفئات في تلك الدول بنسب مختلفة، باستثناء فئة قليلة جداً يطلق عليها تعابير مختلفة مثل “أثرياء الأزمات” أو “صيادو الفرص”.

في لبنان الذي يتعرض لأسوأ أزمة إقتصادية واجتماعية منذ المجاعة الكبرى عام 1919، الكل يسعى ويرغب في أن يكون من “أثرياء الأزمات”، لا يوجد قطاع على استعداد أن يتحمل ولو قسطاً يسيراً من آثار الأزمة، حتى ولو كان هو أحد المتسببين الرئيسيين فيها، الكل يريد ان يكون من الفئة الناجية بأموالها وامتيازاتها من عاصفة الانهيار.

تهرّب المصارف من تحمل المسؤولية

يأتي في طليعة هؤلاء قطاع المصارف الذي يتعامل مع الأزمة النقدية بكثير من الخفة، هازئاً بعقول اللبنانيين، وكأنه بريء ومعصوم وليس أحد أسباب الأزمة إن لم يكن أهمها، فيحرم المودعين من ودائعهم، ويمارس عليهم “هيركاتا” استنسابياً، يهرّب أموال المتنفذين الى الخارج في جريمة أخلاقية قبل أن تكون مخالفة قانونية، ويتهرّب من تحمل أي قدر من الخسائر رغم أن أصحاب هذا القطاع، ومجالس إداراته راكموا الأرباح المليونية عبر الهندسات المالية، ولكنهم لا يريدون التضحية ولو حتى بدولار واحد.

وليس أدل على ذلك من معارضتهم وعرقلتهم إقرار أي قانون لـ”الكابيتال كونترول”، أو أي خطة نهوض اقتصادي تتعرض الى أرباحهم. يعارضون كل الصيغ المقدمة تحت ذرائع مختلفة، فقط يقبلون بالمشروع الذي ينص على وضع اليد على كل أملاك الدولة عبر صندوق استثماري يديرونه ويتحكمون في عوائده.

وعلى الرغم من أن اللجنة الفرعية المنبثقة عن لجنة المال والموازنة النيابية، وضعت مسودة قانون “كابيتال كونترول” الحد الأدنى من الإجراءات والقيود، لكنه لم يحظ بقبول المصارف التي أرسلت رسالة الى رئيس لجنة المال والموازنة للاعتراض على مسودة القانون، كما عمدت الى تسريبها مجتزءة ومبتورة الى الإعلام كي يسقط القانون قبل وصوله الى الهيئة العامة.

يسقط حكم المصرف

مندرجات القانون والاستثناءات

فعلى ماذا تنص مسودة قانون “الكابيتال كونترول” الذي يقول عنه أعضاء اللجنة الفرعية أنه أفضل الممكن حاليا مستعينين بالمقولة الشهيرة “أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل ابداً”.

ينص القانون على حظر جميع التحويلات الى خارج لبنان مع وجود استثناءات على نوعين:

الأول: هو “الأموال الجديدة fresh money ” التي حُولت من حسابات مصرفية خارج لبنان الى حسابات عائدة لعملاء المصارف، أو تلك التي أودعت أوراقاً نقدية “بنكنوت” في الحسابات، وذلك وفقاً لمفهوم وشروط “الأموال الجديدة” كما هي محددة في قرارات مصرف لبنان، وكذلك أموال المؤسسات المالية والدولية والسفارات والمنظمات الدولية والإقليمية والعربية.

الثاني: الاستثناءات المشروطة وهي الأقساط التعليمية، وأقساط القروض الشخصية والسكن في الخارج عند استحقاقها، الضرائب والرسوم المتوجبة لسلطات أجنبية، تسديد النفقات العائدة للإشتراكات والتطبيقات على الإنترنت، مع وجوب إقتران طلب التحويل بالمستندات الموثقة، والتي تحدد عبر تعاميم تصدر عن المصرف المركزي.

يحدد المجلس المركزي لمصرف لبنان سقف التحويلات لكل نوع من الإستثناءات على أن لا يتجاوز لجميع الفئات الخمسين الف دولار سنوياً.

كما ينص القانون على إنشاء وحدة خاصة لإجراء هذه التحويلات، ويعدد الخطوات، وينظم آلية الموافقة على الطلبات من المودع الى المصرف المركزي، مروراً بالمصرف الخاص الذي يُقدم فيه الطلب بناء على حساب المودع لديه.

شطب المصارف غير الملتزمة

وقد حدد القانون سقف السحوبات للمودعين بمبلغ عشرين مليون ليرة لبنانية شهرياً من مجمل حساباته في المصرف، على أن تكون السحوبات النقدية للرواتب خارج السقف المحدد. كما يجوز لأصحاب الودائع بالعملات الاجنبية أن يُؤمن لها سحوبات نقدية شهرية بالعملة الأجنبية لا تتعدى قيمتها نسبة خمسين بالمائة من قيمة السحوبات بالليرة اللبنانية (اي 20 مليون ل.ل.) وتدخل ضمن المبالغ القابلة للتحويل الى الخارج.

من جانب آخر تتم عملية تحويل السحوبات من دولار الى ليرة وفق “أسعار السوق الرائجة التي تكون حددتها المنصة الواجب إنشاؤها”، أي أن القانون يلزم مصرف لبنان بإنشاء المنصة التي تترنح حتى قبل أن يبدأ عملها، مما دفع مصرف لبنان الى تأجيل إطلاقها عدة مرات.

النقطة الأهم في القانون، هي العقاب الذي نص عليه، والذي سيتم فرضه على أي مصرف لا يتقيد بأحكام هذا القانون، والتي قد تصل الى درجة شطب المصرف المخالف من لائحة المصارف.

ويبدو أن هذه النقطة تحديداً هي التي أثارت اعتراض المصارف لأنها تمنعها من التحكم بأموال المودعين، حيث يمكن لأي مودع التظلم لدى مصرف لبنان، وذلك عبر وحدة خاصة تُنشأ لهذه الغاية.

وإذا كان قرار الوحدة لصالح المودع، يجب على المصرف تنفيذ قرارها، تحت طائلة تمويل حاجة المودع من حسابات المصرف المشتكى عليه المتوفرة الزامياً في حساباته بالعملة الصعبة لدى المصارف المراسلة في الخارج، على ان يقوم بإعادة تسديد المبلغ المحول للمصرف المركزي، مضافاً اليه غرامة يحددها المجلس المركزي بالعملة الصعبة خلال مهلة أسبوعين بالحد الاقصى.

الجدير بالذكر أن مدة هذا القانون هي سنة واحد فقط، يمكن تقصير المدة، أو تمديدها لسنة إضافية بقرار من مجلس الوزراء، بناءً على توصية من وزير المالية أو حاكم مصرف لبنان.

المصارف أرسلت رسالة الى رئيس لجنة المال والموازنة النيابية إبراهيم كنعان، تقول فيها أنه لا يمكنها تمويل التحويلات الى الخارج، لأن التزاماتها أكبر من موجوداتها في الخارج، بفارق سلبي يصل الى 1.7 مليار دولار.

تلك الذريعة لم تُقنع رئيس اللجنة وأعضاءها، خاصة بعد الإطلاع على مراسلة لجنة الرقابة على المصارف، التي تتضمن التحويلات المنفذة من قبل المصارف الى الطلاب اللبنانيين في الخارج عن عامي 2019 و 2020 وحتى شباط 2021 وقد بلغت 244 مليون دولار.

مع الأخذ بعين الإعتبار أن كلفة الإستثناءات المنصوص عنها في القانون لا تتجاوز 350 مليون دولار، وأن المصارف يُفترض أنها قامت بزيادة 3% من مجموع الودائع الاجنبية (3.4 مليار دولار)، تطبيقاً للتعميم رقم 154 الصادر عن مصرف لبنان.

بالمحصلة ستعمل المصارف بكل ما أُوتيت من قوة ونفوذ على عرقلة إقرار هذا القانون ولن تألو جهداً لتحقيق هذا الهدف. ورغم أن القانون ليس هو الأفضل أو المرتجى من قبل المودعين، ولكنه قد يسهم في كبح جماح “سلبطة” المصارف وأصحابها على حسابات المودعين على قاعدة: “ظلم في السوية…عدل في الرعية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى