اقتصاد

انعكاس الإنهيار الإقتصادي على الشباب… وطرق الحل

لبنان عربي – فاطمة الموسوي

لا يمكن وصف الحالة المأساوية التي يعيشها اللبنانيون اليوم بأنها أزمة اقتصادية فقط.
بل نحن في قلب الانهيار وفي القعر الاقتصادي والاجتماعي والمالي، ونعيش أياما صعبة للغاية، يئن فيها الشعب والشباب تحت وطأة أزمة أخلاق في الحكم وادارة شؤون البلاد والعباد، لم يعرف لبنان مثيلا لها في التاريخ، أزمة يذلّ فيها الانسان بشكل علني وفاضح أمام سلطة طائفية مريضة تعيش على صنع الازمات والتوترات وتتنفس التجاذبات وتستمر عبر التعطيل والتنكيل بالاموات والاحياء.
نحن امام كارثة خطيرة والدولة غير قادرة حتى على انتاج نفسها بتشكيل حكومة وطنية انقاذية، يرافق ذلك انسداد سياسي تسبب في خلق المشاكل الحياتية والامنية وجعل الشباب يفقد الامان والامل والاستقرار ويستبعد تشكيل حكومة مستقرة تلبي طموحاته، ما يعرقل الكثير من الخدمات المقدمة للمواطنين ويدفع بالبلاد إلى شفير الانهيار التام.
السلطة تقود الانهيار
الدولة المتفرجة على انهيار لبنان وحدها من يتحمل مسؤولية الانهيار الخطير والمستمر لليرة اللبنانية مقابل الدولار، حتى وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى نحو ١٨ الف ليرة، ما تسبب بفقدان السيطرة على الاسواق المالية والتجارية وبانهيارات متتالية في كافة القطاعات للعامة والخاصة.
والسؤال المهم هنا: من سيدفع الثمن؟ اما الجواب الواضح فهو الشعب اللبناني بشكل عام، والشباب بشكل خاص، حيث لم يعد الحديث عن الازمات وانعكاساتها يرتبط فقط بالفقراء، بعد أن طالت الكارثة بشكل مباشر ما تبقى من الطبقة الوسطى، من الاساتذة الجامعيين والقضاة وموظفي القطاع العام وغيرهم.. وكل من يتعامل بالليرة اللبنانية.
وها هي السلطة، تتفرّج على طوابير الذل وما خلقته من مشاكل واشتباكات بين المواطنين والعاملين في المتاجر والأسواق، خصوصاً بسبب التدافع لشراء السلع المدعومة من الدولة والخلاف على أسعار السلع التي تضاعفت بشكل جنوني مع انهيار القدرة الشرائية للمواطنين.
وها هي السلطة، تتفرّج على طوابير الذل امام محطات البنزين وتعد شهداء الطوبير والجرحى..
وها هي السلطة، تقف عاجزة امام الشباب الذي يأكل من حاويات النفايات..
وها هي السلطة، تعلمنا بالاحصاءات الرسمية لحوادث السرقة والقتل دون ان تحرك ساكنا.
وها هي السلطة تشارك مع البعض في قطع الطرقات على الناس..
دولة فاشلة
وكل هذه المؤشرات تقودنا الى استنتاج واحد: نعيش في دولة فاشلة.
ومن المؤشرات الاضافية لذلك، هو حين تعلن الحكومة التوقف عن سداد الديون الخارجية وإغلاق البنوك أمام العملاء من حين إلى آخر وتشديد القيود على عمليات سحب العملات الأجنبية. وعبثاً حاولت الحكومة احتواء الوضع عبر تدابير مختلفة، كدعم سلع استهلاكية وملاحقة المتاجرين بالعملة. لكن تدهور الليرة شكل ضربة قاصمة للجهود والنزيف مرشح للاستمرار. فمن شأن نفاد احتياطي المصرف المركزي من الدولار الذي يُستخدم بشكل رئيسي لدعم استيراد القمح والمحروقات والأدوية، أن يجعل الدولة عاجزة عن توفير أبسط الخدمات. وهذا ما يجعلها دولة فاشلة بامتياز.
الدولة التي لا تستطيع اقالة حاكم مصرف لبنان الذي لم يحقق انجازا واحدا بلجم التدهور وإعادة بناء ثقة المودعين بالمصارف وجذب الأموال من الخارج وتوحيد سعر الصرف..هي دولة فاشلة.
 وهو المتهم بانه من أبرز المسببين للأزمة الاقتصادية في لبنان، ولا زال يجاهر بتبعيته للسياسات الاقتصادية التسعينية ولسياسته النقدية الريعية التي دمرت بشكل كامل الاقتصاد المنتج. والثابت أن الحاكم نفسه، ساهم مع من أتى به ويدعمه بافلاس الشعب اللبناني وانهيار المؤسسات امام التهريب والجشع والفساد والنهب المنظم لخزينة الدولة اللبنانية.
الاسباب الخارجية للازمة
وعلى الرغم من التحليلات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تعيد الازمة الاقتصادية في لبنان الى الحصار الخارجي والتدخلات الخارجية والصراع العربي او الاقليمي والتنافس بين الدول الكبرى.. ما أدى الى الضغط  على الاقتصاد اللبناني ونظامه المصرفي، ووقف التحويلات الخارجية وأدى الى عدم التعامل مع القطاع المصرفي اللبناني بشكل طبيعي.
الا انني اعيد الازمة وبشكل صريح وواضح الى تبعية المسؤولين السياسيين كل بحسب مصالحه وطائفته الى الخارج وبالتالي تنفيذ اجندات الدول على حساب لبنان واللبنانيين.. حيث لم نر منذ فترات زمنية طويلة مواقفا سياسية وطنية مشرفة وخاصة في المرحلة الحالية التي تشهد غيابا تاما للمواقف الحاسمة، يتزامن ذلك مع عدم وجود سياسة متكاملة لمواجهة الأزمة الاقتصادية، إلى جانب غياب الإرادة السياسية الحقيقية للحل والمواجهة.
ويبقى انتظار الحل كما تعودنا من الخارج الى الداخل وليس العكس.، وحتى الحل الخارجي يبقى ايضا رهينة التسويات الإقليمية والدولية، بالاضافة الى دور صندوق النقد الدولي والدول المانحة للقيام بالإصلاحات.
ثورة لبنان .. الجوع كافر- ارشيفية
ماذا عن شباب لبنان؟
في الوقت الذي يعاني فيه لبنان من الانهيار التام، فإن وضع الشباب كان يسير في الاتجاه المعاكس لامالهم واحلامهم في بناء مستقبل مشرف لهم في بلدهم: فالتدهور الاقتصادي التدريجي، عزز هذا الوضع الكارثي، فضلاً عن استمرار ارتفاع نسبة البطالة والهجرة الفعلية أو المعاملات والطلبات التي تعدت الالاف من اجل الرحيل الى بلدان اخرى.. بالاضافة الى ذلك سبب تدهور الوضع الامني وانتشار السلاح، من مخاطر عدم الاستقرار التي يتعرض لها الشباب بشكل عام، وضيّق آفاق مستقبل أفضل أمامهم بشكل خاص.
ويشعر كثيرون منهم بالإحباط وخيبة الأمل، ولا يرون مبرراً لمواصلة وجودهم وبقاءهم او حتى لانهاء مسيرتهم التعليمية في ظل غياب فرص العمل بعد التخرج.
وليست قضية الشباب الذي يعاني في لبنان مجرد قضية إنسانية ملحة، بل لها أيضاً مضاعفات خطيرة على الصعيد الأمني. حيث نرى أت الشارع المتفلت أمنيا بات يشكل بيئة حاضنة لالاف الشباب العاطل عن العمل او الفاقد للامل بسبب اوضاعه المادية المزرية وعدم وجود اي افق لاية حلول جذرية في المدى المنظور.. وبالتالي نرى في تحليلنا العلمي ان هناك ارتباط جدلي بين الامن والغذاء.. بين الانضباط والالتزام وبناء المستقبل والحصول على وظيفة تلبي الطموح المفقود..
أين الحل؟
من هذا المنطلق، على كل المؤسسات التابعة للدولة او غيرها من منظمات محلية ودولية ان تعمل على اعادة دمج الشباب في مجتمعهم من خلال الاستجابة العاجلة والطارئة لحاجاتهم ومتطلباتهم.. وبالتالي العمل الجدي على اشراكهم في مشاريع متنوعة اقتصاديا يكون لها أثرا كبيرا على استقرارهم واندماجهم في بيئتهم الاجتماعية والاقتصادية.
وبالتالي على الدولة والسلطة أن لا تهدأ قبل خلق المجالات الوظيفية الحقيقية للشباب مستقبل الوطن وضمان بقائه واستمراريته.. من خلال خلق فرص عمل تساهم في الانتقال من البطالة إلى التوظيف على المدى الطويل، حيث يتمكّن الشباب اللبناني من الحصول على سبل العيش الكريم والاعتماد على الذات.
كما على المنظمات المحلية والدولية أن تسعى عبر مشاريعها التنموية إلى تخفيف الضغط الاقتصادي والاجتماعي والامني عن الشباب وتجنيبهم مخاطر الصراع العنيف او الدخول في عالم الفوضى الذي يقضي على مستقبل الوطن وشبابه بشكل كامل..
أما المشاريع التنموية فتبدأ عبر اعتماد خطط وبرامج واستراتيجيات تلامس الحاجات الحقيقية والتي من المفترض ان تبدأ بتمكين الشباب وتدريبهم على المهارات وخلق فرص العمل. ومن شأن مشاركة الشباب في التخطيط والتنفيذ لمشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية أن يخفف من حدة التوتر النفسي والشكاوى ضد الواقع الاقتصادي والدور السلبي للدولة والسلطة بكافة اطرافها.
والسعي الى استحداث مشاريع استثمارية للشباب، بدءا من المشاريع الصغيرة وصولا الى المشاريع الاكبر و الاكثر تمويلا والتي تسهم بشكل مباشر  في التخفيف من البطالة.. وتسهم بشكل مباشر بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفوق ذلك، لا بد من تهيئة بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية مؤاتية للشباب من خلال تحسين ظروفهم في العمل، وتقييم خيارات السياسات المتاحة لتوفير الحماية الاجتماعية والاقتصادية والمالية لهم في لبنان.
ويمكن البدء بتنفيذ دورات تدريب مهني معجل على بعض المهن التي يتطلبها سوق العمل كالبناء والنجارة والمفروشات والتزيين النسائي …الخ وهنا يكون التعاون ضروري بين الدولة والقطاع الاهلي والمنظمات التنموية والقطاع الخاص.. حيث تكون البرامج متكاملة من التدريب الى الدعم بقروض ميسرة فانشاء المشاريع الصغيرة التي تساهم في خلق فرص عمل اضافية..
اما البدء بتطبيق هذه البرامج فلا بد ان يسبقه دراسات معمقة لجمع المعلومات والبيانات والاحصاءات التي توضح المشكلة بشكل علمي وخاصة ما يتعلق بالقوى العاملة ونسبة البطالة وكل المؤشرات التي ترتبط بها من العمر الى الجنس فالتوزيع الجغرافي والمستوى العلمي الخ.. علنا نصل الى نقطة التقاء بين العرض والطلب في سوق العمل ما ينعكس بشكل ايجابي على إحياء الاقتصاد بكافة عناصره..
بناء عليه، لا بد من إدراج خطط المشاريع الصغيرة والكبيرة وكل البرامج الهادفة الى تمكين الشباب وخلق فرص العمل في خطط  الحكومة اللبنانية بعد انجاز تشكيلتها والبدء في عملها.. والعمل الجدي في مكافحة البطالة التي تشكل تهديداً للاستقرار الاجتماعي والامني في لبنان. وفي حال اعتمدت الدولة هذه الخطط والبرامج وتعاونت مع كل القطاعات لساهم ذلك بشكل حتمي بتحسين فرص حصول الشباب على الوظائف. وساهم ايضا في زيادة فرص الحصول على مشاريع ممولة بقروض صغيرة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى