تقارير

الحالة الحزبية في لبنان… قراءة نقدية ورؤية مستقبلية

لبنان عربي – د. عيشة حبلص

يُعَدُّ المجتمع المدنيُّ أحد المكوِّنات الرَّئيسيَّة لكلِّ مجتمعٍ يوصَف بالدّيمقراطيّ، وهدفه تحقيق أغراضٍ متعدِّدةٍ، كالمشاركة في صنْع القرار السِّياسيّ، على المستوى الوطنيِّ، عبر الأحزاب السِّياسيَّة؛ فَالأحزاب ضمْن المجتمع المدنيِّ، تُعَدُّ واحدةً مِنَ الآليّات الَّتي يشوب أدوارَها الكثيرُ مِنَ الشَّكِّ؛ إذْ مِنَ المفترَض أن تحتويَ كلَّ فئات المجتمع المختلِفة، وتقومَ بِدورٍ رئيسيٍّ، في الحياة السِّياسيّة داخِلَ الدَّولة الدِّيمقراطيَّة.

يُعَدُّ لبنانُ مِنَ الدُّول الَّتي تتميَّز بتعدُّد وتنوُّع الأحزاب فيها؛ فقدْ نَصَّ الدُّستور اللُّبنانيّ، في المادَّة (13) مِنْه، على: “حرِّيَّة إبداء الرَّأي، قولًا، وكتابةً، وحرِّيَّة الطِّباعة، وحرِّيَّة الاجتِماع، وحرِّيَّة تأليف الجمعيّات، كلُّها مكفولةٌ ضمنَ دائرة القانون”.

وهكذا، فإنَّ المشرِّع اللُّبنانيَّ، وَضَع حرِّيَّة إنشاء الأحزاب في إطارها الواسع، وليس حرِّيَّة تأليفها فقط، في مصَافّ الحرِّيّات العامَّة الأساسيَّة الأخرى المتعلِّقة مباشرةً بحَقّ التَّعبير عنِ الرَّأي والأفكار، بحيث لا يحقُّ لأيَّة سلطةٍ، سوى السُّلطة التَّشريعيَّة، الحَدُّ مِنْ تلك الحرِّيَّة، ضمن إطارٍ ضيِّقٍ نسبيًّا، حدَّدته المادَّة (22)، مِنَ العهد الدُّوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة، الَّذي أبرمه لبنانُ قانونًا، في المرسوم رقْم 3855، بتاريخ 1  أيلول 1972.

فبعد أن أكَّدَتِ الفِقرة “الأولى” مِنْ هذه المادَّة، مبدأ حرِّيَّة الجمعيّات، نصَّتِ الفِقرة “الثّانية” على ما يأتي: “لا يجوز تقييد استِعمال هذا الحقِّ بِأيَّة قُيودٍ، غير الَّتي يقرِّرها القانون، وتقتضيها الضَّرورة، في مجتمعٍ ديمقراطيٍّ، لصِيانة الأمن القوميِّ، أوِ السَّلامة العامَّة، أوِ النِّظام العامِّ، أوْ لحِماية الصِّحَّة العامَّة، أوِ الآداب العامَّة، أوْ لحِماية حُقوق الغير وحرِّيّاتهم، ولــتتضمَّنَ هذه المادَّة أيَّ حكْمٍ يحول مِنْ دونِ فرْض القُيود القانونيَّة اللّازمة على أفراد القُوّات المسلَّحة والشُّرطة، في استعمالهم هذا الحقَّ”.

ولعلَّ أرضيَّة  لبنانَ وخُصوصيَّته، ساعدَتْ على تَنامي أحزابٍ طائفيَّةٍ، وأخرى غير وطنيَّةٍ، وَأحزابٍ عقائديَّةٍ، في مقابِلِ مجموعةٍ مِنَ المثقَّفينَ والمفكِّرينَ الـمُعادينَ لحُكم الطَّوائف، لكنَّ أغلبَهم تماشَوا معَ الواقع، وخرجوا عَنِ المصلحة العامَّة، وتسبَّبوا في تَشتيت اللُّبنانيّينَ سياسيًّا.

فَغالبيَّة الأحزاب بُنِيت على أساسٍ طائفيٍّ، يتزعَّمها قادةٌ، ورِثوا الزَّعامة مِنَ الأب إلى الابن، وحتّى ابن الابن؛ ممّا يكرِّس الانغِلاق على الذّات، وانصِهارهم في عصبيَّةٍ، قِوامها حُقوق الطّائفة الَّتي تعمل على تجييش جُمهورٍ خاصٍّ بها، يقوم على قدسيَّة الزَّعيم والشَّخص الواحد، وتحويلهم فيما بعدُ، إلى ماكينةٍ انتِخابيَّةٍ مَناطقيَّةٍ، تحقِّق مِنْ خِلالهم برامجها الخاصَّة. ولكنْ، إذا ما عُدْنا بالذّاكرة الوطنيَّة؛ تتَّضح الصِّراعات داخل الحزب الواحد، الَّتي دارَتْ وما زالَتْ تدور حول ترؤُّس منصبٍ داخل الحزب، أوْ ترؤُّس الحزب كلِّه، والَّتي تدخل فيما بعدُ، في اللُّعبة السِّياسيَّة، تحت سقف الطّائفة، مِنْ أجلِ الفوزِ بِمقعدٍ نيابيٍّ، أوْ وَزاريٍّ. وَهنا، تجدُر الإشارةُ إلى أنَّه لا يوجَد وزيرٌ في الوَزارة اللُّبنانيّة، غير محسوبٍ على حزبٍ طائفيٍّ، هذا إضافةً إلى مناصب السُّفراء والقُضاة ومُدَراء الإدارات العامَّة؛ وَبِذلكَ، تكون الأحزاب قد خرجَتْ عَنْ أيديولوجيَّتها.

على صَعيد الممارَسات السِّياسيَّة، اعتمَد لبنانُ مبدأ التَّوافقيَّة، كنهجٍ للحكْم، ولقد كرَّس الميثاق الوطنيُّ 1943، ومِنْ بعده وَثيقة الوِفاق الوطنيّ 1989، دوْرَ الطَّوائف في نِظام الحكْم. وهذا ما يُظهِره الواقع؛ إذ يبدو جليًّا انكِفاء كلِّ فردٍ إلى طائفته ومذهبه، والعُبور مِنْها إلى الوَظائف، بدلًا مِنَ الدَّولة؛ وهكذا، يُحرَمُ الشَّعب أبسَطَ حُقوقه وحرِّيّاته؛ ما يجعله مرهونًا لانتِماءات أوَّليَّةٍ.

والجَديرُ ذِكرُهُ أنَّ معظم الأحزاب مُتشابهةٌ؛ فأكثريَّة أحزابنا غير ديمقراطيَّةٍ، تَقوم على احتِضان وتَعزيز وتعميق انتِماءات الأفراد الأوَّليَّة (الدّين- الطّائفة- العائلة- المنطقة…)؛ فلا يخفى على اللُّبنانيّينَ أنَّ وظائفهم، تَعليمهم، وَاحتِياجاتهم، تحقَّقَتْ أوْ قد تتحقَّق، مِنْ خِلال قادة طَوائفهم، أوْ علاقاتهم بقادة الأحزابِ، أوِ المقرَّبينَ منهمْ؛ إذْ لا يحصل مواطنٌ على حقِّه بالاستِشفاء في مُستشفًى حُكوميٍّ، إلّا بالوَساطة الحِزبيَّة، ولا يحصل صاحِب المرتبة الأولى بالامتِحانات الرَّسميَّة، أوْ في الجامِعة، على مِنحةٍ دِراسيَّةٍ، أوِ اختِصاصٍ محدَّدٍ، إلّا بتدخُّل الحزْب.

وبحسَب قوْل ٍلألِكسيس دي توكفيل (Alexis Dei Touchfel): “الأحزاب هيَ شرٌّ أوْ مرَضٌ في الدَّولة، للحُكم الحرِّ”، بِمَعنى أنَّها تُعيق الحُكم الحرّ. وَنحن نرى أنَّ الأحزاب هي صحّةٌ في المجتمع، إلّا أنَّ الأحزابَ في لُبنانَ، بِأغلبيّتها هيَ أحزابٌ طائفيَّة مذهبيَّةٌ، تأخذ الطّابع المذهبيَّ، حتى لو كانَتْ ذاتَ مضمونٍ عِلمانيٍّ؛ فَغالِبًا ما يُشار إلى الحزْب على أساس هُويّته الثَّقافيَّة، هل هو حزبٌ مسيحيٌّ، سنِّيٌّ، أمْ شيعيٌّ… وَهذه الأحزاب بهذا الشَّكل، تُنتِج مُعضلةً في لُبنانَ، وتخلق نوعًا مِنَ المشاكل؛ لأنَّ النّاخِبَ وِفقًا للقانون الانتِخابيِّ، يقوم باختيار مرشَّحي الأحزاب، ومرشَّحو الأحزاب يصِلونَ إلى السُّلطة والبَرلَمان. إذا أخذْنا قانون الانتِخاب النِّسبيِّ؛ فهناك هذهِ التَّعدُّديَّة الحِزبيَّة؛ وسيَنشأ لديْنا برلمانٌ، يضمُّ كُتَلًا نِيابيَّةً. وهُنا، تظهر الـمُعضلة؛ فَوِفقًا لنِظامنا البرلمانيِّ، وَاعتِمادًا على الاستِشارات النِّيابيَّة، فَإنَّ البَرلَمانَ هو الَّذي يُشكّل الحكومة، وَإذا كانَتْ هذه الأحزاب غير مُتجانِسةٍ، ومُختلِفةً في الاتِّجاهات الفِكريَّة أوِ الدّينيَّة؛ فإنَّها حتمًا ستخلق مُشكلةً، وتَبدأ الـمُحاصَصة الطّائفيَّة حينَها.

وعليهِ، فإنَّ بِنية الأحزاب اللُّبنانيّة الحاكِمة، الـمُنبثِقة عَنْ نظامِ لُبنانَ الطّائفيّ، الدّائر بين الدُّستوريَّة والسِّياسيَّة، تشكِّل عثرةً أمام الدِّيمقراطيَّة الحِقَّة، والَّتي تعني مُشارَكة الشَّعب في القرار السِّياسيِّ، وكيفيَّة إدارة البِلاد.

إذا كانت كثرة الأحزاب دليلًا على الدِّيمقراطيَّة؛ فإنَّ الحالَ يختلف تَمامًا في لُبنانَ، فأين الدِّيمقراطيَّة، والبلَد مَقسومٌ طائفيًّا ومذهبيًّا؟ هذا لأنَّنا لا نملكُ أحزابًا بالمفهوم السِّياسيِّ العامِّ للأحزاب؛ فأغلب الأحزاب طائفيَّةٌ، والطّائفيَّة تتناقَض معَ الدِّيمقراطيَّة. الدِّيمقراطيَّة تحفّز على الانتِماء الوطنيّ؛ فَحينَ يكون هناكَ انتِماءٌ وطنيٌّ، يمكننا الذَّهاب نحوَ الدِّيمقراطيَّة، وممارَسة كلِّ إنسانٍ لحرِّيَّته، الَّتي حماها الدُّستور اللُّبنانيّ.

والواقِع أنَّ أحزابًا عدَّةً في لُبنانَ، ليسَتْ أحزابًا بالمعنى الدّيمقراطيّ، بمقدار ما هيَ “ماكيناتٌ” طائفيَّةٌ، أوْ تجمُّعاتٌ تحتَ سيطرة زَعيمٍ واحدٍ، أوْ أسرةٍ واحدةٍ. والنِّظام الطّائفي في لُبنانَ مُفلِسٌ، لكنَّه قويٌّ في دولةٍ ضعيفةٍ، وسلطةٍ مُستقوِيةٍ ومستضعَفةٍ في الوقت ذاته. لا الأحزاب العلمانيَّة قادِرةٌ على تغيير النِّظام، نحوَ دولةٍ مدنيَّةٍ بِالحَدِّ الأدنى، ولا الأحزاب الطّائفيَّة والمذهبيَّة لها مصلحةٌ في تغيير النِّظام، الَّذي لا دَوْر لها، ولا حتّى وُجودَ مِنْ دونه، ولا رزقَ لها إلّا مِنْ تناتُش الحصَص السُّلطويَّة فيه.

لذا، لا يمكن للُبنانَ أنْ يواكبَ مسيرة التَّطوُّر، نحوَ بناء دولةٍ حقيقيَّةٍ، مِنْ دونِ قانونٍ جديدٍ للأحزاب، يكون مُتمايزًا في أحكامه، عَنْ قانون الجمعيّات العثمانيِّ، العائد إلى عام 1909، والَّذي لا يزال معمولًا به. فأيُّ قانون انتخابٍ لا يوفِّر الظُّروف التَّشريعيَّة للأحزاب السِّياسيَّة، للتَّنافُس على أصوات النّاخِبينَ، كأحزابٍ سياسيَّة، يبقى قانونًا منقوصًا، ولن يحقِّق أيَّةَ فاعليَّةٍ سياسيَّةٍ حزبيَّةٍ جديدةٍ. لذلكَ، فإنَّ إصدار قانون أحزابٍ جديدٍ، كذلك قانون انتِخابٍ، ما زالا في عُهدة لجنة الحِوار الوطنيِّ، والهدَف مِنْ خِلاله تحقيقُ الإصلاح، مِنْ أجلِ بِناء دولةٍ ديمقراطيَّةٍ، ومجتمعٍ مدنيٍّ قويٍّ صحيحٍ، في جزءٍ كبيرٍ مِنْه، لأنَّ معظم الأحزاب في لُبنانَ، لم تستفِدْ مِنْ مِساحة الحرِّيَّة الموجودة، والَّتي سمحَتْ بنُشوءِ هذه الأحزاب. وَالخُلاصة أنَّ لُبنانَ يتميّز عَنْ محيطه العربيِّ، بهذه التعدّديَّة في الأحزاب، وبهذهِ الحرِّيَّةِ في ممارَسة هذا الحقّ، بَعيدًا عَنِ الدُّول العربيَّة الموجودة، لكنَّ الأحزاب اللُّبنانيَّة، وللأسف، لم تستفِدْ مِنْ هذه الفرصة، ومن هذه المِساحة مِنَ الحرِّيَّة، الَّتي تسمح لها بالانتِشار على مِساحة كلِّ الوطن، لتَقديم مشروعٍ كاملٍ مُتكامِلٍ، يشمل جميع الأطراف، بل على العكس، هي فضَّلَتْ أنْ تحصرَ نفسها ضمنَ إطارٍ ضيِّقٍ جدًّا، مُتعلِّقٍ بالطّائفة، أوْ بالمنطقة، أوْ بالعائلة نفسها، وبدَلًا مِنْ أن تكون الأحزاب هيَ الوجْه الحضاريَّ، الَّذي يمنع الإقطاع، أو ِالنِّظام الإقطاعيَّ، الَّذي كان سائدًا في مراحلَ مُعيّنةٍ، جاءَتْ هذه الأحزاب، وأعطَتْ وجهًا آخَرَ، أوْ شكلًا آخَرَ، مِنْ أشكال الإقطاع، عبر أحزابٍ إقطاعيَّةٍ، وصار هناك تأليهٌ لهذه العائلة، أو لهذه المجموعة الخاصَّة بهذا الحزب، وعَدُّها أنَّها ستحقِّق جميعَ آمال وطموحات الشَّعب، مِنْ دونِ فتْح المجال للآخَرينَ.

لا يمكِن للدّيمقراطيَّة الفاعِلة أنْ تتحقَّق مِنْ دون أحزابٍ ديمقراطيَّةٍ وطنيَّةٍ غير طائفيَّةٍ، وَإنَّ الانتِخابات مِنْ دونِ أحزابٍ، تُفرغ مِنَ العمليَّة الانتِخابيَّة الكثيرَ مِنْ معناها ومضمونها؛ فتصبح عبارةً عَنْ مُبارَزاتٍ شخصيَّةٍ، على زعاماتٍ محلِّيَّةٍ، بدَلًا مِنْ أنْ تكونَ استِفتاءً لتِبيان إرادة الشَّعب الوطنيَّة؛ فالانتِخابات النِّيابيَّة، ومنذ الاستِقلال وحتّى اليوم، ما هيَ إلّا قشرةٌ مِنَ الدّيمقراطيَّة، تختبئ خلفَها ديكتاتوريّات القِياداتِ الطّائفيَّة.

مِنْ هُنا، تبرزُ ضَرورةٌ مُلِحَّةٌ لإقرار قانونٍ لتنظيم الأحزاب في لُبنانَ، لأنَّه لا يمكِن أنْ يسريَ مفعول قانون الجمعيّاتِ، على مَنظومة تأسيس الأحزاب في لُبنانَ.

لذا، لا بُدَّ مِنْ دعْم قِيام أحزابٍ حرَّةٍ، لها الحقُّ في ممارَسة نَشاطاتها كافَّةً، ضمنَ سقْف الدُّستور والعمَل السِّياسيِّ السِّلميِّ، لتشكِّلَ رَوافِدَ أساسيَّةً في بِناء مجتمعٍ مدنيٍّ تعدُّديٍّ وقويٍّ، قادِرةً على استِقطاب النّاشطينَ في المجتمع، للانضِمام إليها، والخروج مِنْ إشكاليَّة العرَج في التَّعدُّديَّة السِّياسيَّة. أحزابٌ تعزِّز الهُويَّة الوطنيَّة الجامِعة؛ فَتعمل على تقليص فرَص قِيام أحزابٍ، تعتمِد المحاصَصة العِرقيَّة والمذهبيَّة، وغيرَها. أحزابٌ تكرِّس النَّهج الدّيمقراطيَّ الدّاخليَّ في تفاعُلاتها الدّاخليَّة، وفي الوقت نفسِهِ، تزيد مِنْ فرَص بِناء أحزابٍ تعمل كحُكوماتِ ظلٍّ، وجَماعات ضغْطٍ حقيقيَّةٍ، على الممارَسات السِّياسيَّة والإداريَّة والاقتِصاديَّة، وتشكِّل أدواتِ رقابةٍ على أداء مختلَف السُّلُطات؛ وعليْهِ، تُصبح جزءًا مِنْ تكريس الشَّفافيَّة والـمُحاسَبة، والحَدِّ مِنَ الاستِبداد في مَواقع السُّلطة المختلِفة، وما يتبَع الاستِبداد مِنْ فَسادٍ.

إنَّ الحَديثَ عَنْ سياسةٍ جديدةٍ لتطوير النِّظام الحزبيِّ في لُبنانَ، يجب أنْ تشجِّعَ نمُوَّ أحزابٍ، تتمتَّع بديمقراطيَّةٍ داخليَّةٍ، مِنْ كلِّ الطَّوائف، ووُجودٍ في كلِّ المحافَظات، وألّا تشجِّع على هيمنة أحزابٍ مناطقيَّةٍ، أوْ ذات لونٍ طائفيٍّ واحدٍ. ومِنَ الممكِنِ تأمينُ ذلكَ بطرُقٍ عديدةٍ، عبر قانونٍ جديدٍ للأحزاب، وقانونٍ انتِخابيٍّ يشجِّع على هذهِ النَّتائج؛ فلا يجوز إبقاء الحياة السّياسيَّة في لُبنانَ، مُرتهَنةً للطّائفيَّة. وَفي هذا الصَّدَد، ولكيْ تتمكَّنَ الأحزاب مِنَ القِيامِ بِدوْرٍ فاعِلٍ في عمليَّة الإصلاح الدّيمقراطيِّ؛ فَإنَّ المطلوبَ هوَ:

  • إصدار قانونٍ عصريٍّ للجمعيّات، يكرِّس المنحى الدّيمقراطيَّ، الَّذي طبَع قانون الجمعيّات، الصّادِر عام 1909، عَنِ السَّلطَنة العثمانيَّة؛ فلا يتَّجِه إلى التَّضييق على الحرِّيّات السِّياسيَّة، والأنشِطة الحِزبيَّة. ومِنَ الطَّبيعيِّ أنْ يسعى القانون المطلوب، إلى الأخذ في الحُسبانِ، مُتغيِّراتِ العصر، وما يمكِن للدَّولة الحديثة أنْ تفعلَه لتَنمِية الحياة الحِزبيَّة.
  • تَعزيزُ الحرِّيّات العامَّة، وحِمايتها، وتأمين سِيادة القانون، عبرَ احتِرامٍ جِدِّيٍّ وكامِلٍ لحُقوق الإنسان، والحُقوق السِّياسيَّة في التَّعبير والاجتِماع، والتَّظاهُر، وحرِّيَّة التخلُّصِ مِنَ القهر والاعتِقال والتَّعذيب.
  • وضْع خطَّةٍ تدريجيَّةٍ للانتِقال مِنْ نِظام الطّائفيَّة السِّياسيَّة، إلى نِظام ٍأقلَّ طائفيَّةً، وأكثرَ ديمقراطيَّةً.

– تَطوير القانون الانتِخابيِّ النِّسبيِّ، مِنْ خلال تحديد سقْفٍ ماليٍّ للحملات الانتِخابيَّة الحِزبيَّة، ووضْع قانونٍ لضبْط ماليَّة الأحزاب.

  • تَطوير الخِطاب السِّياسيِّ، والأداء السِّياسيِّ، ومؤسَّسات المجتمع المدنيِّ، والمؤسَّسات التَّربويَّة والاجتمِاعيَّة والإعلاميَّة.
  • تشكيل أحزابٍ وتجمُّعاتٍ، سياسيَّةٍ وشعبيَّةٍ واسعةٍ، للمُشارَكة في الانتِخابات البرلمانيَّة القادِمة، ببرامجَ سياسيَّةٍ، تعتمِد التَّغييرَ، وتفرض مبدأ الصَّوت الواحد للمُواطِن، على أساس المواطَنة والانفِتاح، وليس الانغِلاق على الطّائفيَّة.
  • تَشجيع نُشوء الأحزاب والهيئات، ذات الانتِشار الوطنيِّ، ومُساعدتها على النُّمُوِّ.

ها نحنُ اليومَ أمامَ انهيارٍ اقتِصاديٍّ، اجتِماعيٍّ، سياسيٍّ، ما هو إلّا حَصيلة مَشاريعِ وبرامجِ الأحزاب، الَّتي سبقَ وَأنْ وضعَتْ أهدافها، وِفْقًا لمصالحها الخاصَّة، عبر الوُصول إلى السُّلطة.

لقدْ آنَ الأوان مِنْ أجْلِ التَّكافُل، وإعلاء راية الوطن؛ فليتحمَّلْ كلُّ حزبٍ جزءًا مِنَ المسؤوليَّة والوعي بواقعنا السِّياسيِّ، الَّذي انعكس سلبًا على الأصعدة كافَّةً، داخليًّا، وفي علاقاتنا معَ الخارج؛ فكل ما هو مطلوبٌ اليومَ، وضع الأحزاب مَشاريعَ، على أسُسٍ علميَّةٍ رصينةٍ.

ما شاهدْناه على أرض الواقع من تحرُّكاتٍ شبابيَّةٍ، ومُطالَباتٍ تؤيِّد وتُناشِد بتأسيس أحزابٍ معاصرةٍ، تحمل مشروعًا متكاملًا، خدماتيًّا، اقتِصاديًّا، اجتِماعيًّا، سياسيًّا، حقوقيًّا، يتلاءَم معَ مصلحة المواطنينَ. أحزابٌ مدنيَّةٌ عابِرةٌ للطَّوائف، مُتكافِلةٌ، توحِّد المواطنينَ على اختِلاف انتِماءاتهم، مُدرِكةٌ لـمَواقِع الخلَل، وتَسعى إلى الإصلاح، ونشْر ثقافة الـمُواطَنة، وهدْم الحُصون الطّائفيَّة والعشائريَّة والقبليَّة، الَّتي تَنامَتْ على حِساب الانتِماء القوميِّ في الوطن، وبِناء النَّهضة في المجتمع، مِنْ خِلال الدِّيمقراطيَّة الحَقَّة، الَّتي تعزِّز قدرَته وعلاقاتِه، نحو مستقبلٍ واعِدٍ، وتبقى الأحزاب السِّياسيَّة العنصرَ الرَّئيسيَّ لتعزيز الدِّيمقراطيَّة، وسِيادة القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى