تقاريرعربي دولي

تطورات تونس: انقلاب على الثورة أم تجديد لدمائها؟

لبنان عربي – تقرير

أعطت تونس تجربة ديمقراطية نموذجية بين أقرانها من الدول في عالمنا العربي، فالبلد الذي انطلقت منه شرارة “الربيع العربي” عام 2011، حافظ على الديمقراطية التي أنتجتها “ثورة الياسمين”، على الرغم من كل الصعوبات والمعوقات.

بيد أن التحديات التي تواجهها تونس في الآونة الأخيرة، وضعت المسار الديموقراطي برمته في مهب الريح، حيث تعاني تونس من تأثير أزمة اقتصادية خانقة، زاد من حدتها جائحة “كورونا”. فضلاً عن الآفة التي تعاني منها معظم النظم البرلمانية في السنوات الأخيرة، ألا وهي عدم امتلاك أي حزب أو حركة سياسية أغلبية تتيح له الحكم، وتمنحه القدرة على تطبيق برنامجه السياسي. الأمر الذي أرهق الديمقراطية الطرية العود في بلد لا تزال تأثيرات الديكتاتورية التي سادت فيه لعقود ترخي بثقلها عليه.

فهناك شخصيات وقوى من نتاج النظام السابق استفادت أيّما استفادة من المناخ الديمقراطي، ومن جو التسامح والتصالح للبقاء داخل المشهد السياسي، هذه القوى إياها استغلت كل فرصة لاحت امامها لاستثارة الشعب التونسي، والايحاء له بأن الديمقراطية هي المشكلة الأساس في البلاد.

وقد قدمت مشاهد التهريج والصخب والضجيج، التي قام بها بعض أعضاء البرلمان التونسي، الدليل الساطع على أن ثمة قوى تونسية تتسربل برداء الحرية لتقويض النظام الديمقراطي، رغبة منها في إعادة عقارب الساعة الى الوراء.

وإن كانت هذه القوى قد فشلت في تحقيق مبتغاها، لكنها استطاعت ترسيخ انقسام جماهيري أفضى الى تشظي أصوات الناخبين في الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي نتج عنها نوع من “الموازييك” السياسي المتنافر والمتصادم، مما يعيق أي تطور في العملية السياسية في البلاد.

إذ أن المجلس النيابي (217 مقعد) بات يتكون من 8 كتل سياسية: كتلة حركة النهضة 53 مقعد، الكتلة الديمقراطية 38 مقعد، كتلة قلب تونس 28 مقعد، كتلة ائتلاف الكرامة 18 مقعد، كتلة الاصلاح 18 مقعد، كتلة الحزب الدستوري الحر 16 مقعد، كتلة تحيا تونس 10 مقاعد، الكتلة الوطنية 9 مقاعد، بالإضافة الى وجود 27 نائباً مستقلاً لا يتبعون لأي كتلة.

ولإن نجح الشعب التونسي في ايصال أستاذ القانون الدستوري “قيس سعيد” الى سدة الرئاسة الأولى، الرجل القادم من خارج الأحزاب والحركات والاصطفافات السياسية، في مفاجأة أذهلت كل القوى السياسية، إلا أن ذلك عقّد المشهد السياسي أكثر فأكثر.

فالنظام البرلماني أكثر ما يحتاجه هو التناغم بين مجلس النواب ورئاسة الجمهورية، وهو الأمر المفقود تماماً. وهنا يمكن القول أن انتخاب “قيس سعيد” كشف عورات النظام البرلماني التونسي، والتي كانت متوارية في ظل حكم سلفيه “المنصف المرزوقي” والراحل “الباجي قائد السبسي”، بفضل حنكة الأول وحسن تعامله مع المزاج الشعبي، والمكانة التاريخية للثاني لدى الشعب التونسي.

فسعيد ومنذ  تسلمه الرئاسة، وضع نصب عينيه التخلص من الطبقة السياسية الحالية، وإفساح المجال أمام أشخاص جدد من خارجها للدخول الى جنة الحكم، والتعاون معها لقيادة العملية السياسية في البلاد، مما وضعه في صدام حتمي مع الكتل الكبرى في مجلس النواب، لا سيما حركة النهضة صاحبة الكتلة الأكبر، والتي تعتبر نفسها الأحق في حكم البلاد بفضل امتلاكها الأكثرية، لكنها أكثرية منقوصة وتحتاج الى صوغ ائتلافات وتحالفات مع كتل أخرى لحيازة الأكثرية المرجحة.

وقد نجحت حركة النهضة في صياغة ائتلاف مع كتل أخرى يخولها التأثير على قرارات الحكومة، حتى لو كان رئيسها وأعضاؤها من المستقلين، وذلك بفضل امتلاك الائتلاف الأكثرية العددية التي يستطيع عبرها منح الثقة أو حجبها عن الحكومة، إلا أن السنتين الماضيتين كانتا حافلتين بالكثير من الاضطرابات السياسية، عنوانها الأبرز كان الصراع على الصلاحيات بين رئيس الجمهورية من جهة، والبرلمان التونسي من جهة ثانية.

وقد استغل الرئيس التونسي “قيس سعيد” الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها عدة مدن تونسية في الأسابيع الماضية، إثر فشل الحكومة المدعومة من الائتلاف النيابي الذي تتزعمه حركة النهضة في إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، وتفشي فيروس كورونا بين أفراد الشعب التونسي، وارتفاع عدد الوفيات حتى وصل الى 200 حالة وفاة يومياً، كي يضرب بقبضته ويقلب الحياة السياسية في تونس رأساً على عقب.

فالرجل المتخصص في الدستور استغل إحدى مواد الدستور لجمع الصلاحيات بين يديه، فأقال الحكومة، وجمد عمل مجلس النواب لمدة شهر مع رفع الحصانة عن جميع أعضائه، على أن يقوم الرئيس مقام السلطة التنفيذية.

كما أن الرئيس واستناداً الى المادة الدستورية نفسها، جمع النيابات العامة تحت سلطته متولياً منصب النائب العام، بمعنى آخر جمع السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية بين يديه، في مشهد غريب ولا يتناغم مع النظام الديمقراطي البتة.

وقد تذرع الرئيس التونسي بالخطر الداهم الذي يحيط بالبلاد في ظل ارتفاع عدد وفيات كورونا، وفشل حملة التلقيح الحكومية وتردي حال المستشفيات لاتخاذ قرار خطير وجريء مثل الذي أقدم عليه، حيث ينفي “سعيد” تماماً أن تكون حزمة القرارات القاسية التي اتخذها انقلاباً على الديمقراطية أو نابعة من رغبة سلطوية لديه، مؤكداً أن النصوص والقوانين غايتها خدمة الشعب، وعندما يتحول القانون الى آداة لتصفية الحسابات وتمكين اللصوص، فهي ليست قوانين، بل أدوات سرقة.

لم يكتفِ الرئيس “سعيد” بالقرار المذكور، بل أتبعه بقرارات أخرى، منها فرض حظر تجوال لمدة شهر في مختلف أنحاء البلاد، بالاضافة الى تعطيل المؤسسات الرسمية، وإقالة عدد من المسؤولين في الدولة. قرارات سعيد أجّجت الانقسام في الشارع التونسي، الذي شهد اعتصامات وتظاهرات للمؤيدين والمعارضين على حد سواء. فضلاً عن أن الرئيس الذي يحظى بشعبية كبيرة لدى التوانسة، حصل على دعم وتأييد القوى السياسية المنبثقة من رحم نظام “زين العابدين بن علي”، مما أدى الى زيادة المخاوف من حدوث اضطرابات وصدامات بين الفريقين المؤيد والمعارض.

في النهاية، قد يكون الرئيس التونسي محقاً في قراراته، لا سيما أنه أحد أبرز المساهمين في صنع الدستور الذي استند اليه، ويعرف خباياه، على الرغم من أنه كثير الشكوى منه، لكن مما لا شك فيه أن النظام الديمقراطي الوحيد في العالم العربي في خطر.

فالشعبوية التي تطبع تصرفات سعيد وقراراته، وحنين بعض القوى الى زمن “بن علي”، ورغبة الكثير من الدول في الاقليم في القضاء على ما تبقى من إرث الربيع العربي، وتسويق نظرية “المستبد المستنير”، وأنها هي الحل الأمثل لحكم العرب والدواء الأنجع لمشاكل دولهم، كل هذه العوامل تضع ثورة الياسمين أمام امتحان مصيري: فهل تسهم قرارات الرئيس التونسي في إعادة تجديد دماء ثورة “الياسمين”، أم أنها تعدّ انقلاباً عليها، تمهيداً لدفن الربيع العربي الى الأبد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى