تقاريرعربي دولي

مغامرة أردوغان الاقتصادية: الرقص مع الذئاب!*

لبنان عربي – سامر زريق

 

يُعرف عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وَلَعه الشديد بتاريخ الدولة العثمانية وتأثّره البالغ ببعض سلاطينها، ومحاولته النَّهْل من مَعِينهم في الكثير من المحطات السياسية. ومن بين السلاطين الذين يتّخذهم أردوغان قدوة له في العمل الوطني والسياسي، السلطان عبد الحميد الثاني، آخر السلاطين الفعليّين للدولة العثمانية، وبخلعه عام 1909 انتهت السلطنة، لكن الإعلان الرسمي للنهاية كان عام 1922.

 

القطب الأوحد

وفي السنوات الأخيرة، وخاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016، يبدو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكثر شبهاً بالسلطان عبد الحميد الثاني، ولا سيما إثر تحويل النظام في تركيا الى رئاسي، واختصار كل السلطات بشخصه، كما كان الحال أيام عبد الحميد الثاني، لكن الخشية أن ينتهي به الحال كما حصل مع السلطان، الذي نُفِيَ وفرضت عليه الإقامة الجبريّة ما بقي من حياته، وتعرّض لحملة تشويه هائلة، رسمت عنه صورة مُخيفة في أذهان الأتراك والعرب والعالم.

فالمتربّصون بأردوغان كُثُرٌ للغاية، سواء داخل تركيا أو خارجها. وثمة كلام كبير جداً يُقال بحقّه يومياً في وسائل الإعلام التركية على لسان نواب وشخصيات معارضة، ومنهم من يُبشّره بسوء العاقبة، حتى وصل الحال بأحدهم الى تهديده بمصير رئيس الوزراء السابق عدنان مندريس، الذي أُعدم شنقاً بعد انقلاب عسكري عام 1960.

على الرغم من ذلك، ينبغي عدم الاستهانة بقدرات الرئيس التركي، والتقليل من دهائه وحِنكته. فهو لاعب سياسي ماهر، كما حاله عندما كان لاعباً في كرة القدم يصول ويجول في المستطيل الأخضر، وهدافاً يبرع في تسجيل الأهداف في مرمى الخصوم.

بيد أن أردوغان يقوم اليوم بمغامرة سياسية، هي الأخطر على الإطلاق منذ تسيّده المشهد السياسي في تركيا. مغامرة قد تقضي على كل ما بناه وراكمه في السنوات الفائتة من مجد كان عِماده النهضة الاقتصادية التي شهدتها تركيا على يديه.

 

فلسفة اقتصادية جديدة

ومن بوابة الاقتصاد التي أوصلته الى زعامة تركيا، يخوض أردوغان معركة قاسية وشرسة مع ذئاب الاقتصاد النَّهِمة، والتي لا تعرف الشبع، من أجل تخفيف معدلات الفائدة. وما تدهور العملة التركية بشكل سريع جداً، وفقدانها 30 % من قيمتها خلال أيام قليلة إلا إحدى آثار هذه المواجهة، بعد تخفيض الفائدة بنسبة 4 %، على الرغم من أن الاقتصاد التركي يحقّق معدّلات نمو مميزة، وصلت في الربع الثالث من العام الحالي الى 7.4%، ما قادها الى صدارة معدّلات النمو في العالم، وخاصة بين دول مجموعة العشرين.

وتُخفي معركة تخفيض الفائدة في طيّاتها، حرباً “عقائديةً” لتغيير العقيدة الاقتصادية التركية، وهو الهدف الأساس لأردوغان، وهو عموماً لا يُنكره. وهنا تظهر في الإطار صورة البروفسور الراحل نجم الدين أربكان، أستاذ أردوغان أو “المعلّم” كما يطلق عليه تلاميذه، وفكرة النظام العادل الذي رفع لواءه ونادى به أربكان طيلة حياته السياسية الحافلة.

 

عودة الى الجذور الأربكانية

وها هو التلميذ يعود الى القواعد التي لقّنه إياها أستاذه، محاولاً “أسلمة” الاقتصاد، بعد أن أسلم المجتمع، حسبما يقول خصومه. والنظام العادل من مبادئه تخفيض نسب الفائدة حتى الغائها، وعدم الاستدانة والاقتراض، وعدم فرض ضرائب.

ومن هذا المنطلق يحاول أردوغان تخفيض الفائدة، لقناعته بأن تخفضيها، يؤدي الى خفض الكلفة، وبالتالي زيادة الإنتاج، وزيادة فرص العمل، وصادرات أكثر وأكثر. وهو في كل خطبه يركز على التصدير وأرقامه، وعلى عزمه رفعها.

وفي 1 كانون الأول الجاري، أعلن أردوغان في كلمة له في اجتماع كتلة “العدالة والتنمية”، أن حكومته بدأت تنتهج سياسة جديدة تتمثّل في استراتيجية نمو تركّز على الاستثمار والتوظيف والإنتاج والتصدير، وأضاف بأن كل خدمة واستثمار أنجزته الحكومات التركية المتعاقبة في السنوات ال19 الماضية كانت بمثابة تحضير لهذه الاستراتيجية.

وفي النقطة الأخيرة، يغمز أردوغان من قناة أستاذه أربكان، وتلافيه الخطأ الذي اقترفه، عندما سارع الثاني الى تخفيض معدلات الفائدة محلياً، ومحاربة سياسات الإقراض، بعيد وصوله الى رئاسة الحكومة عام 1996، ما دفع البنوك الى تمويل حملة إعلامية ضخمة ضده، ولا سيّما أنها كانت تمتلك أغلب وسائل الإعلام وقتها، فقد كان يجب تمتين دعائم الاقتصاد قبل إعلان الحرب على ذئابه.

وأشار أردوغان في كلمته الى أن تركيا تسير نحو تحقيق نمو بنسبة 10 % بنهاية العام، لافتاً أنه لو استمرت تركيا في نظام الفائدة المرتفعة لما حققت هذا النجاح، وأن خفضها يساهم في زيادة الإنتاج والتوظيف.

قلما تجد خطابا لأردوغان لا يتحدث فيه عن التصدير ومعدلاته، وهذه الكلمة تؤكد إصراره على المضيّ قُدُماً في إقرار فلسفته الاقتصادية، أو في حرب “الاستقلال الاقتصادي” كما يسميها.

 

الضعف والثقة المفقودة

وهنا نعود مرة أخرى الى التشابه بين أردوغان وعبد الحميد الثاني، فالأخير تسنّم عرش السلطنة وهي تلفظ أنفاسها، والأمم تجتمع على الرجل المريض “كما تتداعى الأكلة على قصعتها”، لكنه استطاع حماية الدولة، وأجّل سقوطها طيلة سنوات حكمه التي ناهزت 33 عاماً، بحنكة ودهاء اشتُهر بهما.

وقد وصفه جمال الدين الافغاني قائلاً: “إن السلطان عبد الحميد لو وُزِنَ مع أربعة نوابغ من رجال العصر، لرجّحهم ذكاءً، ودهاءً، وسياسةً، وخصوصاً في تسخير جليسه، ويخرج المناوئ له من حضرته راضياً عنه وعن سيرته، مقتنعاً بحجته”.

كانت مشكلة عبد الحميد الكبرى هي في ضعف فريقه المعاون، وفي قلة ثقته بهم، حيث كان يكثر من تغيير الصدور العِظام (رئيس الوزراء) والنُظّار (الوزراء)، وهي نفس المشكلة التي يواجهها أردوغان اليوم.

ففي غضون أقل من عامين، غيّر الرئيس التركي ثلاثة محافظين للبنك المركزي، ووزيريْ مالية، بينهم صهره ومعاونه الأقرب اليه سياسياً برات البيرق. كما أنه خسر جهود علي باباجان، وزير الاقتصاد الأسبق وأحد المفكّرين الاقتصاديين البارزين الذين أسهموا في صنع نهضة تركيا الاقتصادية، والذي أصبح اليوم من معارضيه، وراغباً في وراثته سياسياً.

وتتمحور أسباب تلك الإقالات ما بين عدم الاقتناع بفلسفة أردوغان، أو عدم القدرة على تنفيذها، ما يُصعّب على الرئيس التركي النجاح في تحقيق أهدافه. ويتجاوز الأمر المُقالين الى أعضاء فريقه الاستشاري، وكذلك أعضاء حزبه، ما خلا قلة من بقية تلاميذ “المعلم” أربكان.

وهذه بالتحديد أكبر تحدٍّ يواجه أردوغان في المغامرة التي يخوضها، والتي يعوّل على الخروج منها “مُظَفَّراً”، بهدف حسم انتخابات الرئاسة عام 2023، فهو خَبِرِ مدى تأثير النمو الاقتصادي واستقرار الأسعار في الاستحقاقات الانتخابية.

ولذلك ثمة خشية كبيرة من تسارع انهيار الليرة وخروجه عن السيطرة، وانعكاسه على أردوغان بالذات، لكن الأخير يبدو هادئاً مطمئناً ويعمل على تجديد فريق معاونيه ومستشاريه، وهو يشتهر ببراعته في مثل هذه الاختيارات.

فهل يكون مصير أردوغان كمصير “القدوة” أو “المعلّم”؟ أو أنه سيتمكّن من الانتصار على الذئاب التي يُراقِصُها في الميدان الاقتصادي، ويكون هو القدوة لمن سيأتي بعده؟

 

*العنوان مقتبس من عنوان كتاب للمؤرخ التركي مصطفى أرمغان: “السلطان عبد الحميد والرقص مع الذئاب” بجزئين.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى