تقارير

هكذا خدع المُلا منصور أميركا

لبنان عربي – تقارير

 

 

في خريف عام 2010، أي بعد تسع سنوات من الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان، جلس مَنْ كان يُعتبر الرجل الثاني في حركة طالبان، المُلا منصور، إلى طاولة حوار في مدينة قندهار، كانت تضم أيضاً مسؤولين أفغان وآخرين يمثلون حلف شمال الأطلسي (الناتو). في اجتماعات سابقة، بما في ذلك اجتماع ضم الرئيس الأفغاني الأسبق، حامد كرزاي، في قصر الأخير في كابول، كان المُلا منصور قد طرح، وبشكل مفاجئ، مَطَالب أُعتبرت “معتدلة”، من أجل عقد اتفاق سلام وتحقيق المصالحة في أفغانستان.

يومها، قال المُلا منصور للمجتمعين، بما معناه، إن القوات الأجنبية، التي كانت تُشكل، ولفترة طويلة، مصدر الخلاف الأكبر بالنسبة لطالبان، يمكن أن تبقى في أفغانستان، وأن الجماعة لن تُطالب بمناصب في الحكومة.

تلك المحادثات جاءت في وقت كانت فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها يبحثون عن “مخرج” مِنْ ما كان يُشار إليه في ذلك الوقت على أنه “حرب دائمة”.

وكان بعض المسؤولين يدركون أن تحقيق مثل هذا المَخْرَج سيتطلب التعامل مع طالبان وفتح قنوات حوار ومناقشات مباشرة معها. لكن، ما اتضح لاحقاً هو أن المُلا منصور لم يكن عضواً في طالبان.

فالرجل الذي انسحب بشكل عرضي من الموقف، وفي جعبته مئات الآلاف من الدولارات قدمتها له وكالات الاستخبارات الغربية، كان على الأرجح صاحب متجر باكستاني.

وتعليقاً قال أحد المسؤولين للصحافيين: “لقد كان إخفاقاً مُحرجاً للغاية، إنها لعنة كُبرى”.

وعلَّق متحدث باسم طالبان قائلاً: “الأميركيون وحلفاؤهم أغبياء جداً.. بإمكان أي شخص أن يخدعهم”. لكن الحادث العرضي كان أيضاً عاملاً مساعداً لتوضيح كيف، ولماذا أصبحت دولة خليجية صغيرة مثل قطر، التي بالكاد يكون لديها حصة في أفغانستان، أصبحت “المُحاور المُفتاح” بين الولايات المتحدة وطالبان!

العثور على شخص ثقة مع نهاية العام 2011، عندما تم الكشف عن هوية المُلا منصور المزيفة، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون في حاجة ماسة إلى خط اتصال مع طالبان، وكانوا شبه يائسين من إمكانية تحقق ذلك. قبل ذلك بعام، وتحديداً في حزيران/ يونيو2009، غادر جندي أميركي، يُدعى بووي بيرغدال، موقعه العسكري في إقليم باكتيكا في شرق أفغانستان من دون أن يخبر زملاءه.

في غضون ساعات، وقع بيرغدال في قبضة عناصر من طالبان، وداخل مقر القيادة المركزية في فلوريدا، وبعد فترة زمنية أمنية، تم تعليق يافطة تُحصي أيام الجندي بووي في الأسر. كان الضغط مستمراً لإعادته إلى منزله سالماً، لكن الولايات المتحدة لم يكن لديها وسيلة قوية كفاية للتحدث مع خاطفيه.

كان هناك الباكستانيون الذين لا يمكن الوثوق بهم. وكان هناك أيضاً السعوديون والإماراتيون، الذين أبدوا استعدادهم للعمل كمحاورين وسطاء، كلٌ في نقاط مختلفة، لكن المشكلة أن كلا البلدين كانا من بين الدول التي كانت قد دعمت طالبان في تسعينيات القرن العشرين.

لذلك، لا يمكن أن يكونا محايدين، من وجهة نظر الأميركيين. ثم كان هناك المحتالون. في هذا الخصوص، قال كريستيان كوتس أولريشسن، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في معهد “بيكر” للسياسات العامة التابع لجامعة “رايس”: “كان هناك رجال يظهرون بين فترة وأخرى بشكل عشوائي، ويقدمون أنفسهم على أنهم يمثلون طالبان. وبعد أن يحصلوا على مبالغ كبيرة من المال، كانوا يختفون بشكل عشوائي مثلما ظهروا”.

لسنوات طويلة، لم ير أحدٌ زعيم حركة طالبان في أفغانستان، المُلا محمد عمر. وهناك الكثير من قادة الجماعة الذين لم يشاهدهم شخصياً أي من المسؤولين الأميركيين أو مسؤولي “الناتو” أو حتى المسؤولين الأفغان، وفقاً لما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز” يوم كان “المزيف” المُلا منصور يتصرف كممثل لطالبان.

وأضاف أولريشسن: “إن إمكانية ملاحقة قيادات طالبان في دولة حليفة، حيث يكون لهم عنوان، يُعد إجراء منطقياً بالنسبة للولايات المتحدة. وقد أبدت دولة قطر بالفعل استعداداً صريحاً لجعل الأمر ينجح. فالأميركيون لديهم تجربة سابقة مع قيادات حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين (حماس).

وهم بالطبع كانوا يفضلون أن يقيم خالد مشعل في الدوحة على أن يكون مقيماً في دمشق على سبيل المثال. فوجوده في الدوحة يعني أنهم يستطيعون الوصول إليه متى ما أرادوا، حتى ولو عن طريق وسيط”.

كانت قطر على استعداد لفعل شيء ما، وجاهزة للعب هذا الدور. وبحسب ما جاء في كتاب “مديرية إس” Directorate S للصحافي ستيف كول، نُشر في عام 2018، وتضمن تقارير خاصة من داخل المفاوضات التي كانت تجري، فإن حاكم قطر (السابق) الشيخ حمد بن خليفة أخبر الأميركيين أنه “لن يُخدع”.

وقال “قد يخدعونكم أنتم، لكن مع كل الاحترام، فإن طالبان ليست في وضع يمكنها من خداعي”.

لهذه الدولة الخليجية تاريخ من الوساطة في لبنان واليمن والسودان. لقد كان دوراً أرادته قطر وطورته في فترة التسعينيات كوسيلة لتتميز عن باقي دول الإقليم، ولو جزئياً، على أمل أن تصبح من بين القوى التي لا يمكن الإستغناء عنها، والتي يمكن إستدعاؤها للمساعدة في حل أي أزمة مستقبلية. حتى أنها أدرجت إشارة إلى هذا الدور في دستورها كهدف من أهداف السياسة الخارجية لدولة قطر.

من منظور قطر، فإن دورها كمحاور ومُضيف لحركة طالبان، قد اكتسب أهميته وقيمته الكبرى، رغم كل شيء، وخصوصاً بعد الحصار الذي تعرضت له في حزيران/ يونيو 2017 من قبل خصوم إقليميين.

ففي ذلك التاريخ، أعلنت كل من الإمارات والسعودية والبحرين ومصر قطع العلاقات التجارية والدبلوماسية مع قطر، وفرضوا حظراً على مجالها الجوي، كـ”عقاب” على علاقتها بإيران وعلى دعمها للجماعات المسلحة المتشددة، وذلك من بين تُهم أخرى بحسب زعمهم.

وقال أولريشسن: “في يوم 6 حزيران/ يونيو، أي بعد يوم واحد فقط من بدء الحصار على قطر، بدأ الرئيس الأميركي (السابق) دونالد ترامب يتحدث في تغريداته عن حق السعودية والإمارات في فعل ما يشاءان. ومثل تلك التغريدات كانت كفيلة لكي يدب الذعر في أرجاء قطر”.

واحدة من البطاقات القوية التي كانت بيد قطر هو دورها في أن تكون “القناة” التي تستطيع من خلالها الولايات المتحدة الوصول إلى طالبان.

بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على تغريداته، وجد ترامب نفسه بحاجة أن يستخدم موضوع أفغانستان في حملته الانتخابية من خلال إطلاق وعد بإنهاء الحرب الأميركية هناك. في العام الماضي، اجتمع الطرفان في الدوحة (الولايات المتحدة وطالبان)، ووقعا اتفاقية تقضي بسحب جميع القوات الأميركية بحلول شهر أيار/ مايو 2021.

كانت الصفقة بعيدة كل البُعد عن المصالحة الأفغانية التي تم تصورها في الدوحة ذات مرة: الحكومة في كابول لم تكن على طاولة المفاوضات. البعض طرحوا تساؤلاتهم عمَّا إذا كان ذلك الاتفاق ضرورياً.

ومن بين هؤلاء سارة تشايس، الصحافية التي غطَّت سقوط طالبان لحساب الإذاعة الوطنية العامة، وقدمت لاحقاً نصائح لمسؤولين عسكريين أميركيين رفيعي المستوى يعملون في أفغانستان.

فقد كتبت سارة مؤخراً تقول: “ما الذي كان يمنعنا من تنفيذ إنسحاب من جانب واحد – وهو ما فعلناه في النهاية؟ ما تم انتزاعه من طالبان مقابل إجبار الحكومة الأفغانية على إطلاق سراح الآلاف من مقاتلي العدو، من بين تنازلات أخرى، ومنح طالبان أكثر من عامين لعرض قضيتهم على القادة المحليين، كانت نتيجته التالي: “الولايات المتحدة سترحل. لماذا لا تنضم إلينا؟”.

قد يُشكك البعض- كما فعل العديد من الأفغان والأميركيين في ذلك الوقت – في أين يَكْمُن المنطق عندما يتم استبدال الجندي بيرغدال بخمسة أعضاء رئيسيين في طالبان فقط من أجل أن لا يكون هناك أميركي قيد الاحتجاز كرهينة، مع إبقاء مئات الأميركيين عالقين في كابول، كما حدث في الأسابيع الأخيرة.

هناك أيضاً من يلوم قطر على مساهمتها في تمكين طالبان ومساعدتها على أن تصبح أكثر قوة ومقدرة. فقد غرَّد جوناثان شانزر، نائب رئيس الأبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات (FDD)، قائلاً: “هذه الكارثة كانت من صُنع قطر”.

وبعيداً عن العناوين الرئيسية، فإن النوايا الحسنة التي يعززها دور قطر في أفغانستان ستعني أن الباب أمام الاستثمارات الغربية المربحة- والمحتملة في أفغانستان – يظل مفتوحاً على مصراعيه أمام دولة تمتلك في لندن وحدها أملاكاً أكثر من ما تمتلكه الملكة البريطانية نفسها.

ولعلَّ الأهم من ذلك كله، أن هناك شعوراً بأن قطر ستكون أكثر أماناً في أي أزمة مستقبلية لأنها باتت تتمتع الآن بسيل من الإئتمانات مع القوى الكبرى.

وأضاف كريغ: “إذا حصلت أزمة أخرى – مثلاً، إذا قررت السعودية والإمارات ليس فقط محاصرة قطر بل وشن عملية عسكرية ضدها… فإن الأميركيين هذه المرة، وبالتأكيد، سيقفون إلى جانب قطر وقد يتصدون للأطراف الأخرى، حتى على نطاق أوسع مما فعلوا في العام 2017”.

ولكن، مع المكافآت عادة تهل المخاطر. فإذا أعادت طالبان فرض حكمها السلطوي المتشدد، فقد يكون ارتباط قطر بهذه الجماعة ضاراً للغاية – وسيشجع أولئك الذين يجادلون بالفعل بأن قطر تدعم الإرهاب. وفي حين أن وجود قاعدة “العيديد” الجوية الأميركية في قطر دائم، ولا يمكن نقلها، يمكن على سبيل المثال نقل مركز القيادة Centcom الموجود الآن في قطر بين عشية وضحاها.

فالقيادة المركزية لـ Centcom موجود بالفعل في فلوريدا. وعن هذا الأمر يقول أولريشسن: “يبدو أن لدينا حكومة طالبان جديدة بالفعل، ولا تمثل ولا تشبه إلا نفسها”. فإذا عادت الأمور كما كانت أيام النظام القمعي والسلطوي، فإن أي ارتباط بالجماعة يمكن أن تكون له تداعيات سيئة. إنها مخاطرة، ولن نعرف كيف ستؤتي ثمارها قبل مرور عام أو عامين”.

المصدر: موقع “ميدل إيست آي” البريطاني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى