تقارير
أخر الأخبار

يحاربونها سياسياً وإعلامياً..ما حقيقة التواجد التركي في لبنان؟

لبنان عربي – تقرير

 

يشغل الحضور التركي في لبنان، الدوائر الديبلوماسية والإستخباراتية في كثير من الدول الإقليمية والدولية، كما يعتبر مادة سجالية في الوسائل الإعلامية المختلفة.

وهو حضور تتصدى له فئة سياسية داخلية في مقدمتها حزب رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، وتواجهه بحملات إعلامية وسياسية عديدة، متهمة إياه بالسعي إلى تخريب الساحة الداخلية، فيما تفتح له أحزاب وشخصيات أخرى الباب واسعا ليكون فاعلا وحيويا وداعما.

ولقد شن عون في أغسطس 2019، لمناسبة الذكرى المئوية للبنان الكبير هجوماً عنيفاً على الدولة العثمانية متهماً إياها بممارسة “إرهاب الدولة”، ما إستدعى رداً منطقياً من وزارة الخارجية التركية معتبرة أن هذا الإدعاء عار عن الصحة ومرفوض، وأن “عون يحرّف التاريخ من خلال الهذيان”.

وسجل عون في الفيديو المسرب له من قصر بعبدا، اعتراضه على زيارة الرئيس المكلف تشكيل الحكومة العتيدة سعد الحريري الى تركيا ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان، قائلا:” شو راح يعمل هونيك”.

على أن هذا السجال لم يكن خارجاً عن سياق إستمر لسنوات، دخلت عبره تركيا الى لبنان بقوة من خلال تعاطف أهل السنة مع رئيسها وانجذابهم اليه وفخرهم بانجازات حزب العدالة والتنمية، وقد تعزز ذلك بزيارة أردوغان الى محافظة عكار شمال البلاد عام 2010 برفقة الرئيس سعد الحريري.

إلا أن هذا التعاطف لم ينزل برداً وسلاماً على أخصام تركيا التقليديين والمستجدين، فبدأوا بوضع خارطة طريق لشيطنتها واتهامها بأنها تسعى من خلال نشاطها الخيري والإنساني الى أن يكون لها موطئ نفوذ في بيروت.

الحضور إنساني لا إستخباراتي

تعمل تركيا منذ سنوات تحت جناح منظمة “التيكا”، وهي تحصر عملها في إعادة ترميم المساجد والآثار العثمانية، كما تقدم بعض المساعدات العينية لجمعيات تربطها معها أواصر الصداقة والعلاقات التاريخية، خاصة تلك الموجودة في محافظة عكار شمال لبنان، والتي يعود أصل أهاليها الى التركمان، ويتحدثون لغتها دون اللغة العربية حتى يومنا هذا.

هؤلاء تعاملهم أنقره معاملة خاصة وهي منحت العديد منهم الجنسية التركية، كما تعمل على تقديم المنح الجامعية لأولادهم، الأمر الذي قرأ فيه العديد من المتابعين اهتماما مغلفا بالإنسانية ومحاولة أردوغانية لتعزيز الحضور لبنانيا بغطاء العمل الخيري، كما ترى الباحثة الدكتورة جنى جبور.

وذهب البعض في لبنان أكثر من ذلك، متهماً تركيا بتمويل أعمال الشغب التي شهدتها الساحات اللبنانية عقب انتفاضة 17 تشرين الأول من عام 2019.

وقال وزير الداخلية اللبناني في حكومة تصريف الاعمال محمد فهمي أن طائرةً تحمل على متنها 4 شخصيات بحقائب مالية، غطت في مطار بيروت قادمة من تركيا، متسائلاً عن وجهة هذه الأموال وخلفياتها والهدف منها، غامزاً بذلك من بوابة إسطنبول في إحداث الفوضى في طرابس الشمالية وسواها من المناطق التي تجاهر بمحبتها لأردوغان.

لكن للمفارقة لم يُكشف مصير هذه الطائرة والأموال التي قيل أنها في حوزة المسافرين على متنها..

وهذا الكلام نفته مصادر لبنانية واستخباراتية، مرجعة تفاهته الى كون السفارة التركية في لبنان لا تولي اهتماماً كبيراً لجهازها الإستخباراتي فيه، وأن حجم طاقهما المخابراتي في السفارة ضئيل جداً، ما يلغي فكرة بسط النفوذ والسعي لدور أكبر.

معتبرة أن الدولة التي تريد تفعيل حضورها السياسي والأمني وحتى الإقتصادي في أي منطقة أخرى، تزيد من كوادرها الإستخباراتية فيها لتستطلع مكامن القوة والضعف لديه، وتضع بعد ذلك إستراتجيتها الخاصة للولوج اليه.

الأمر الذي يعني أن تركيا غير حاضرة لبنانياً كما يصور البعض، في تخريب الساحات واستثمار الجماعات الثورية ومدهم بالمال وتحفيزهم للاستمرار في الحراك الشعبي في الشارع، فماذا ينفع تركيا ذلك؟ وأين مصلحتها في التوتير؟

هذا الكلام لا يعني أن لا علاقات سياسسية لأنقرة في بيروت، فهي على علاقة جيدة مع تيار المستقبل الممثل الأكبر للمسلمين السنة في البلاد، كما مع الجماعات الإسلامية الاخوانية والصوفية، التي ترى فيها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تقدم نظاماً اسلامياً التي تقدم نموذجا للحكم يدمج بين الإسلامي والمدني، ويعود بالنفع على المسلمين.

الا أن هذه العلاقات فارغة من الفاعلية السياسية ولا تقوم على أساس “تنفيذ أجندة”، والتعاطف السني في لبنان مع تركيا، لن يتحول الى أجندة، فأنقرة ترفض ذلك لاعتبارات كثيرة، لذا فان التعاطف اللبناني معها أكبر من الدور المتخيل لها على الساحة أو الذي حاول البعض إيقاعها فيه.

 

أوقطاي في بيروت

في الثامن من أغسطس 2020، زار نائب رئيس الجمهورية التركية فؤاد أوقطاي لبنان، معزياً بشهداء تفجير مرفأ بيروت، ومعلناً استعداد بلاده لإعادة بناء المرفأ، وإن تركيا أرسلت مستشفيين متنقلين وكوادر طبية إلى بيروت، كما أرسلت “تيكا” حوالي 400 طن من المساعدات.

هذه الزيارة التي رافقه فيها وزير الخارجية مولود شاويش أوغلو، جاءت بعد يومين من زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت، الذي حذر فيها ضمن اجتماع ضمه الى القيادات اللبنانية في قصر الصنوبر من التدخل التركي في شمال لبنان.

الأمر الذي استدعى رداً من الرئيس أردوغان، إعتبر فيه أن:” أهداف زيارة ماكرون الى بيروت استعمارية”، وأن “ما يريده ماكرون وفريقه هو عودة النظام الإستعماري في لبنان”. وتابع: “أما نحن فلا يهمنا التهافت لتلتقط لنا صور أو لنقوم باستعراض أمام الكاميرات”.

هذا التحذير الفرنسي يرى فيه الكثير من المتابعين محاولة باريسية للتعويض عن الخسائر المتتالية التي يسجلها أردوغان في مرمى ماكرون، من “ليبيا” إلى “ناغورنو كاراباخ” إلى دول شرق المتوسط التي تعزز أنقره حضورها فيها، فيما فرنسا تتخبط في ملفاتها المعقدة داخلياً وخارجياً.

وعلى حدّ تعبير ديدييه بيون، الخبير الجيوسياسي والمدير المساعد في “معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية”، فإن ما يحرك الفرنسي تجاه تركيا ان الأولى “لم تتقبل دور أنقرة في قلب موازين القوى في ليبيا، حيث باتت فرنسا في موقع المتفرّج ولم تعد قادرة على دعم خليفة حفتر”.

كذلك، يلفت إلى فشل باريس في معركة ناغورنو كاراباخ، حيث دعمت أرمينيا شفهياً على رغم عضويتها في “مجموعة مينسك الدولية”.

وهي بذلك تريد حضوراً قوياً لها في لبنان من باب التعويض، ولا يمكنها تحقيق مبتغاها الا في حال أوجدت لها خصماً ميدانياً هو العامل التركي، ودغدغة الأحزاب المسيحية بهذا الدور وتحذيرهم منه.

وأشارت  مصادر دبلوماسية فرنسية إلى أن أحد أبرز أهداف الاندفاعة الفرنسية تجاه لبنان هو تطويق النفوذ التركي المتمادي في الشرق الأوسط خصوصاً أنه بات يصطدم بالمصالح الفرنسية في شمال أفريقيا ولا سيما في ليبيا.

مؤكدة أن فرنسا تؤيد سياسة حياد لبنان بدلاً من تقاسمه بين هيمنة إيرانية وتغلغل تركي مستجد، حيث أن تقارير عديدة تشير إلى تنسيق إيراني تركي ونية لتقاسم النفوذ بينهما.

 

الغياب العربي عن لبنان

أفرغ الغياب العربي عن لبنان الساحة من لاعبيها التقليديين، وشكل ذلك فرصة للاعبين جدد للدخول إلى الميدان اللبناني، ومن ضمنهم تركيا.

وترى بعض المصادر المقربة من العهد الحاكم ان: “تركيا تعمل على استثمار الغياب العربي عن بيروت، وهي تشكل مع جماعات الإسلام السياسي إطارات محددة للتدخل، وتسعى بذلك لسحب البساط اللبناني من تحت العباءة العربية”.

لكن جهات أخرى داخل لبنان تأخذ مثل هذا الكلام على محمل المزح، على إعتبار أن “الحضور العربي في لبنان وإن تراجع لكنه لن ينتهي، وأن أولويات تركيا ليست في لبنان على الإطلاق، وأن لبنان مهما أبدى تعاطفا لتركيا لكن طبيعة تكوينه الطائفية لا تسمح له أن يكون في محور يضمها ولا يضم العرب”.

ويعمل البعض في بيروت على مهاجمة أنقرة وإلباسها العباءة التخريبية، في محاولة مكشوفة منه للفت أنظار العرب الى أدوار تركيا في لبنان غير الموجودة اصلاً.

وهو بذلك يسعى إلى إستجلاب دعم مالي لمشاريعه الخاصة الإعلامية والسياسية ليس إلا، والبعض من هؤلاء طرق باب تركيا أكثر من مرة، لكنها لم تستجب له، فراح يدافع عن الإمارات ويتهم إسطنبول بالتسبب بالفوضى اللبنانية الأخيرة.

ويتفق كثر أن دور أصغر سفارة عربية وغير عربية في لبنان، يضاهي الدور التركي بعشر أضعاف لناحية المشاريع والمساعدات وما شابه ذلك.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى