تقارير

100 يوم على ولاية بايدن… ما جديد سياسته الشرق أوسطية؟

لبنان عربي – صهيب جوهر

كشف خطاب الرئيس الأميركي جو بايدن أمام الكونغرس بمناسبة مرور 100 يوم دخوله البيت الأبيض عما يمكن وصفه بالتحول الواضح في السياسة الخارجية الأميريكية في الشرق الأوسط وكذلك فيما يخص روسيا والصين والمنطقة العربية.

وجرى العرف في الولايات المتحدة على أن يلقي الرئيس خطاباً شاملاً أمام جلسة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ بمناسبة المحطة الرمزية الأولى في رئاسته وهي مرور 100 يوم على توليه المنصب، وهذا ما فعله بايدن مساء الأربعاء 28 أبريل/نيسان، مركزاً بشكل واضح على الشؤون الداخلية للبلاد.

وقال بايدن: “بعد مئة يوم، يمكنني أن أقولها للبلاد: الولايات المتحدة تمضي قدماً مرة جديدة”، مضيفاً: “بلادنا مستعدّة للانطلاق. نحن نعمل مرّةً جديدة، نحلم مرّة جديدة، نكتشف مرّة جديدة، نقود العالم مرّة جديدة. لقد أظهرنا لبعضنا البعض وللعالم أنّه لا يوجد استسلام في أميريكا”.

وجرت العادة أن يضع المرشح للرئاسة، ضمن برنامجه الانتخابي، أهدافاً محددة يعد بتحقيقها خلال المئة يوم الأولى من رئاسته، وهذا ما فعله بايدن بالفعل وأعاد التأكيد عليه بعد ظهور تقدمه في الانتخابات على خصمه الرئيس السابق دونالد ترامب، ونتذكر هنا أبرز تلك الوعود فيما يخص السياسة الخارجية الأمريكية بشكل عام، وما يتعلق منها بالشرق الأوسط بشكل خاص.

الاتفاق النووي وإيران المتأهبة

وعد بايدن بإعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي كان ترامب قد انسحب منه عام 2018، ويمكن القول إن الرئيس قد التزم بتنفيذ وعده من خلال المشاركة في مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق بالفعل في فيينا بمشاركة الإيرانيين وباقي أطراف الاتفاق (روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا)، لكن مدى نجاح تلك المفاوضات في إعادة إحياء الاتفاق أو إعلان وفاته نهائياً يظل أمراً مفتوحاً على كل الاحتمالات حتى الآن.

ويرى كثير من المحللين أن ترامب قد جعل من عودة بايدن للاتفاق النووي مع إيران مهمة شبه مستحيلة، ليس فقط عبر الانسحاب الأحادي منه وفرض عقوبات خانقة على طهران، بل أيضاً من خلال تشجيع إسرائيل على تكثيف أعمالها التخريبية، كاغتيال العالم النووي محسن فخري زاده لجرّ طهران إلى الحرب ومؤخراً الهجوم الذي استهدف منشأة نطنز النووية، لكن يبدو أن سياسة النفس الطويل التي تتبعها إدارة بايدن في هذا الملف تسير في الاتجاه الصحيح حتى الآن، وأبرز دليل على ذلك هو قبول إيران المشاركة في مفاوضات فيينا بعد أن كانت ترفض تماماً التفاوض قبل رفع العقوبات الأمريكية أولاً.

اليمن والإدارة والضغط على السعودية

وفيما يتعلق بحرب اليمن، حقق بايدن وعده بإنهاء الدعم الأمريكي للتحالف الذي تقوده السعودية والإمارات في تلك الحرب التي اندلعت في مارس/آذار 2015 بعد انقلاب الحوثيين واستيلائهم على الحكم في اليمن، في محاولة لإعادة الحكومة الشرعية في البلاد وإنهاء الانقلاب الحوثي، لكن الحرب لا تزال مستمرة حتى اليوم، وتحولت اليمن إلى أسوأ كارثة إنسانية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، بحسب التقارير الأممية.

القرارات التي اتخذها بايدن بشأن الحرب في اليمن لم تؤدِّ إلى وضع الحرب أوزارها، كما أعلن أن هذا هدفه، حيث صعد الحوثيون من هجماتهم داخل اليمن للاستيلاء على مأرب وخارجها باستهداف مكثف لأهداف مدنية داخل السعودية من خلال الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، ولا يزال سيناريو إنهاء الحرب في اليمن بعيداً عن الواقع رغم قرارات بايدن.

مع تركيا .. مفتاح الأرمن

تدخل العلاقات الأمريكية التركية في أزمة بعد توصيف الرئيس الأمريكي جو بايدن العنف الذي شهدته الإمبراطورية العثمانية خلال بداية القرن العشرين ضد الأرمن بالإبادة الجماعية؟

وأثار بايدن غضب كل أطياف المجتمع التركي، بما فيها القوى المعارضة الأساسية بهذا القرار الذي تجنبه الرؤساء الأمريكيون لفترة طويلة، خوفاً من الإضرار بالعلاقة الأمريكية التركية.

كان الرئيس الأمريكي قد وعد خلال حملته الانتخابية بالتحرك بشأن هذه المسألة، إضافة إلى صدور تلميحات سلبية أدلى بها بايدن خلال الانتخابات بشأن أردوغان.

ولكن الواقع أن العلاقات الأمريكية التركية لم تشهد توتراً كبيراً منذ تولي بايدن السلطة، بل على عكس المتوقع شهدت حديثاً عن محاولة لترميمها، وفي الوقت ذاته ظهرت أهمية تركيا البالغة بالنسبة للولايات المتحدة والغرب عامة في أول أزمة يواجهها بايدن بعد وصوله للبيت الأبيض، عندما قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توتير الأوضاع في أوكرانيا، رداً على اللغة الخشنة لبايدن والعقوبات الأمريكية على روسيا.

ففي مواجهة استمرار تأزم الملف النووي الإيراني، والنفوذ الروسي في ليبيا، وتصاعد التوتر مع روسيا في البحر الأسود وأوكرانيا، ورغبة الغرب في احتواء صعود الصين وروسيا، بدا للغرب بجناحيه الأوروبي والأمريكي أنه من الصعب الدخول في أزمة جديدة مع تركيا، اللاعب المهم في الشرق الأوسط والبحر المتوسط والبحر الأسود والقوقاز وشرق أوروبا، خاصة أنها إحدى دول الناتو القليلة التي بدت مستعدة لتحدي جبروت روسيا على الأرض حتى لو تفاوضات معها، كما ظهر في الحروب المحدودة الكثافة في القوقاز وسوريا وليبيا خلال عام 2020، والأهم أن في يد تركيا مفتاح البحر الأسود.

خدعة حقوق الإنسان وازدواجية المعايير

وفي سياق ملف حقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية حول العالم، كان بايدن أيضاً قد وعد بعدم التسامح مع من وصفهم بالزعماء الديكتاتوريين من أمثال بوتين ورئيس كوريا الشمالية كيم يونغ أون، وهو ما قالت الإندبندنت إنه تحقق “إلى حد ما”، فقد أصدرت إدارة بايدن بالفعل حزمتي عقوبات بحق المسؤولين الروس، وقررت واشنطن ألا ترهن علاقتها مع موسكو بالعلاقة المباشرة مع بوتين والتركيز أكثر على إيجاد أرضية مشتركة بين البلدين، وفيما يخص الزعيم الكوري، اعترف فريق بايدن بأنهم سعوا للتواصل مع بيونغ يانغ لكن الجانب الكوري الشمالي رفض.

وفيما يتعلق بالشرق الأوسط في هذه النقطة، كان بايدن قد انتقد، أثناء حملته الانتخابية، ما وصفه باعتقال وتعذيب معارضين مصريين، واعداً بعدم تقديم “مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل”، في إشارة إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

هذا الوعد الذي قدمه بايدن من خلال تغريدة له في تموز 2020، تناقضه قرارات إدارته بشأن القاهرة خلال الأيام المئة الأولى من رئاسته، وأبرز تلك القرارات الموافقة على صفقة سلاح قيمتها نحو 200 مليون دولار لمصر والتدخل لمنع محاكمة رئيس وزراء مصر الأسبق حازم الببلاوي أمام القضاء الأمريكي بتهمة التعذيب.

أفغانستان والجرح المفتوح

كان بايدن قد وعد بإنهاء مشاركة واشنطن في حرب اليمن، وبعد مرور 100 يوم من رئاسته يمكن القول إنه فيما يتعلق بأفغانستان اتخذ الرئيس قراره بالفعل بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي هناك بحلول 11 سبتمبر/أيلول المقبل الذي يصادف الذكرى العشرين للهجمات الدامية التي تعرضت لها أمريكا وتبناها تنظيم القاعدة.

ومن المهم هنا ذكر اتفاق السلام الذي كانت إدارة ترامب قد وقَّعته مع حركة طالبان في أفغانستان العام الماضي في العاصمة القطرية الدوحة ونص على انحساب كامل القوات الأميريكية والدولية من أفغانستان بحلول الأول من أيار المقبل، وهو ما يعني أن بايدن، الذي أعلن أن انسحاب قواته سيبدأ بداية مايو/أيار وينتهي قبل 11 سبتمبر/أيلول، قد أخَّر بالفعل نهاية تلك الحرب الأبدية عما كان ترامب قد قرره، لكن في نهاية المطاف يرى كثير من المحللين أن بايدن على طريق تنفيذ وعده بالفعل في هذه النقطة.

روسيا وهواجس التاريخ

وفيما يخص روسيا، شدد بايدن أيضاً على أنه لا يسعى إلى تصعيد التوتّرات مع نظيره الروسي بوتين بعد أن فرض عقوباتٍ على موسكو بسبب مجموعة من المخاوف، وقال أمام الكونغرس: “أوضحتُ لبوتين أننا لا نسعى إلى التصعيد، لكن أفعالهم لها عواقب”.

تخشى واشنطن مصالح موسكو والتي هي في الأساس مصالح جيوسياسية، هناك أيضاً جانب تجاري، يتعلَّق في الغالب بالطاقة والأسلحة، بالإضافة إلى الأبعاد الثقافية والدينية. وعلى الرغم من أن بوتين يعمل على بناء علاقات مع الجميع، وهو توازنٌ ليس من السهل الحفاظ عليه، لا يزال التوازن يميل لصالح القوى المعادية للولايات المتحدة، وإيران والصين، والأسد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى