ثقافة

أمر إبداعي بسرعة الضوء

لبنان عربي – نبيل عرابي

عندما يسمو الإنسان فوق شرطه المادّي الذي لا يمكن له أن ينفصل عنه دون أن يفنى، يصعد في مراقي الروح ويكتشف عوالم أين منها عالم التراب اللاصق به. تصفو نفسه وتتفتّح له الآفاق ويدرك ببصيرته ما لا يراه ببصره.*

مهما كنتَ متمرّساً في الكتابة، أيّاً كان نوعها، فإنّكَ ستشعر أحياناً كثيرة بأنّكَ بحاجة إلى وميضٍ ما، أو كلمةٍ ما تكونُ مفتاحاً أو مُفتتحاً لسيلٍ يتدفّق من الحبر، راسماً أشكالاً متفاوتة التعرّجات والاستقامات والإنحناءات تتراصفُ فوق أسطرٍ وهمية حيناً، ومُتخيّلةٍ حيناً آخر، تحملُ أثقالاً من المعاني والتأويلات المشعّة، كانعكاس رسائل الشمس فوق ماء راكد، أو غائرة بدرجات متفاوتة  كمحطّات الانتظار عند كلّ توقّف لقطارٍ ما، انطلق برحلة محدّدة لكنّه لا يستطيع أن يُدرك سلفاً ما ستدوّنه صفحات السجلّات الموَثِّقة ما بين كلّ إقلاع وعودة.

وعندما تقع عيناك على ضالّتك.. لن تضيّع الوقت في رفع الصوت عالياً: “وجدتها..وجدتها”، بل ستسارع إلى الإنصياع لأمر دماغي إبداعي صدر بسرعة الضوء، فإذا بكلّ كيانك ينفصل بشكل أثيريّ عمّا حولك، فتنهمك في تنفيذ الأمر ، دون أن تَرِدَ في مُعجم ذهنك عبارة: “ثم اعترض”، لأن الحوار الداخليّ سيكون قد بدأ بالتداعي طليقاً، وبثّ الإشارات المتتالية قد سلك الموجة غير المرئية بنسبة عالية من النقاء، وأما تفاصيل الوجه فهي ترجمة فورية لكلّ حركات اليراع المتواترة، المتأثّرة بالخلايا الحيّة التي تتدافع سريعاً، فتختلط بالمداد المتقطّر، وتمتزج بأدقّ تفاصيل البوح والاعتراف، على امتداد مساحة محدودة الأطراف والزوايا بالعرف الرياضي المتداول، لكنّها أبعد من تلويحة أفق، وأطول من جذع نخلة تقاوم الريح بانحناء طوعي، كلّما ناءت بحِملها ثماراً وسنواتٍ عجافا.

 

* هيا طارق زيادة، مقطع من مقدمة ديوانها (أحمل في أوراقي الدعاء)، دار الجديد، بيروت، لبنان، 1999.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى