ثقافة

أي دور للمثقف في زمن الأزمات؟

لبنان عربي – ثقافة

في كل مرحلة، يمر فيها المجتمع بمِحن مختلفة، نتيجة التجاذبات السياسية والحروب والضغوطات الاقتصادية والاجتماعية، وعندما تبدأ الأمور تزداد سلبية، ويجنح معها افراد المجتمع نحو خيارات غير سوية، تهدف في ما تهدف اليه، الى تأمين مصالح أصحابها وحمايتهم وتحصينهم… وعندما تتخلى الدولة عن مهامها، وتسير في طريق التلاشي الكبير لوجودها ودورها، وتتعاظم بسبب ذلك أدوار الأحزاب السياسية، التي يعمل كل منها في استثمار هذا التلاشي لتسجيل حضور أكبر له على الساحة، وعندما تسود الفوضى الشوارع، ويتسيّد قبضايات الأحياء الزعامة، ويصبح هؤلاء هم الدولة والقانون والمرجعية، يصبح السؤال ضروريا: أين المثقف من كل ذلك، وما دوره زمن الأزمات؟

لذلك، سأل “لبنان عربي”، “عينة” من المثقفين البارزين في مجتمعهم، عن دورهم أيام الأزمات، وكانت الأجوبة تتراوح بين متهم السلطة بتدجينها للمثقف بالشكل الذي افقده دوره الحر ورأيه الشخصي، وبين معوّل على دور أكبر للمثقفين في حراك 17 تشرين، لأنه الخيار الذي لا خيار سواه.

 

الدكتور مصطفى الحلوة: المثقفون مدعوون الى الانخراط في مواجه منظومة الفساد

في تحديد دور المثقف، زَمَنَ المِحن والأزمات، يذهب الشاعر الراحل نزار قباني إلى القول: “الأديب(أو المثقف)الحقيقي لايختبىء تحت اللحاف، أثناء البرد والظلام، ولا ينتظر رحيل العاصفة، حتى يخرج إلى البحر ليصطاد السمك…ولا يكتفي برؤية روما وهي تحترق، ولكنه يفعل شيئًا لإنقاذ روما…وفي التاريخ القديم أمثلة على إستشهاد أهل الفكر في سبيل الفكر، ومن أشهرهم سقراط والحلاج”، وليُضيف بما يخصّه كشاعر ملتزم هموم أمته: “كان قلبي دائمًا مدينة مستنفرة للحرب، شبابيكها مطلية باللون الأزرق، وصفارات الإنذار فيها لا تتوقف عن الصراخ!” (“الكتابة عمل إنقلابي”- منشورات نزار قباني- بيروت، لبنان، طبعة 5، كانون الثاني 2000،ص38وص65).

كأننا بنزار قباني وسواه من المثقفين الملتزمين، يقولون بالفم الملآن إن الفعل الثقافي لا يبرز فقط في أزمنة السلم والرخاء والسكينة، بل ثمة “ثقافة أزمات”، إذا جاز القول، تُجسّد معاناة المجتمعات والأوطان، كما الإنسانية مطلقًا وتُسهم من موقع الإلتزام في النضال: فكرًا وفنًا وتعميمًا لقيم الحق والخير والجمال. أَوَلَمْ تأتِ “لوحة الغرنيكا”(1937)للفنان الإسباني بيكاسو لتُجسّد مأساة الحرب الأهلية الإسبانية، ولتغدو من أعظم اللوحات الفنية شهرة في العالم، داعيةً إلى نبذ الحروب وما تُسبّب من ويلات، وهي بذاتها فعل مقاومة؟!

هكذا، بما يعنينا نحن المثقفين، مدعوون الى الإنخراط في عملية مواجهة منظومة الفساد والإفساد التي تقلّنا إلى جهنم وبئس المصير، وتسومنا أشد أنواع القهر والتنكيل، ورمتنا في أتون المجاعة، وقامت بأكبر عملية نهب لأموال الناس، لم تشهدها أي دولة في العصر الحديث…

هكذا، فإن الفعل الثقافي، في هذه الظروف، ينبغي أن يندرج في حراك 17تشرين، على رُغم ما يشهد هذا الحراك من جَزر ومن إنتكاسات، وليس من خيار آخر.

من هنا، إن إسهامنا كمثقفين في الحراك العام، يشكل قيمة مُضافة، بل أساسية في عملية المواجهة الطويلة والمضنية.

 

الدكتور أحمد العلمي: لا دور للمثقف اللبناني الا بكسره ظواهر التعصّب على أنواعها

يعتبر”المثقف” من أكثر الفئات، قدرة على القضاء على الآفات الإجتماعية، وانتاج الوعي للمواطنين، والمساهمة بتغيير تصورهم لواقعهم وتغيير مفاهيمهم وذهنياتهم في إطار الثقافة الإجتماعية وتحرير فكرهم من المعوقات التي تكبله.

وقضايا المثقف والمثقفين تعد واحدة من أدق اشكاليات عصرنا وأكثرها مدعاة للجدل والإهتمام  بل للإستقطاب والصراع والتنابذ، ولا غرو في ذلك فقد شهدت علاقة المثقف بالسلطة تبدلات عدة وتباينات شتى عكستها طبيعة المراحل والعقود التي راوحت فيها اوطاننا زمنا، وأفضت إلى تهميش المثقف واقصائه بعيدا عن موقع اتخاذ القرار، الأمر الذي نال من دوره كثيرا وتركه نهبا للعزلة والحصار وسوء الفهم.

يقول المفكر الفرنسي Pierre Bourdieu :لا تقوم ديموقراطية حقيقية إلا بسلطة مضادة وهذه السلطة يمثلها “المثقف النقدي” ابلغ تمثيل.

لذا يطرح السؤال الكبير: اين هو هذا المثقف في مجتمعاتنا المنكوبة المعاصرة؟؟!

نبدأ بالقول، ان عملية تدجين المثقفين جرت ولا تزال تجري بنجاح ساحق، حيث بات واضحا للجميع أن هناك فئة  غلبة عليها التطلعات الشخصية والمطامح الفردية، فوقعت في فخ استيعاب أنظمة السلطة السياسية لها لتطويعها او تأطير عطائها وذلك بإغرائها بوسائل متنوعة، بمعنى أن مثقف هذه الفئة إنتهى بأن يتماهى مع آليات الواقع المأزوم فأصبح بوقا يسخّر ثقافته ومهارته في خدمة السلطة.

من جهة ثانية يُلاحظ أن “الموقف النقدي” من قبل آخرين من هؤلاء المثقفين، ينحو باتجاه الجماعة الشعبية من خلال التجاهل الفظ لرؤية هذه الجماعة ونظرتها للعالم والتأفف إلى حد التعالي من هذه الرؤية، هؤلاء ينظرون إلى ثقافة الجماعة الشعبية باعتبارها ثقافة “الآخر” البدائي السطحي التي ينتدبون أنفسهم  لتطويرها وتهذيبها، وهذا ما أدى إلى نفور العامة من المثقفين واقعين بدورهم في أسر صورة نمطية سائدة حول “المثقف المتعالي” الذي يستحيل التواصل معه.

إضافة لكل ما ذكر حري بالقول أن مشكلة المثقف العربي وحتى “الملتزم” هو في أنه مهموم باستراتيجية خطابه اكثر من تركيزه على مضمون هذا الخطاب، فهو عليه ان يرضي قارئه أو سامعه طبقا لقناعاته وعليه أن لا يغضب السلطة او المؤسسة التي يعمل بها.

في رسالة بعث بها “سيجموند فرويد” مؤسس التحليل النفسي إلى “البرت إينشتاين”مكتشف النظرية النسبية، ردا على رسالة كان قد بعثها الأخير حول ما يمكن فعله بغية حماية الإنسانية من ويلات الحروب والعنف، أنهى”فرويد” رده بعبارة: “إن كل ما يدعم الثقافة يعمل في الوقت نفسه ضد الحروب والعنف”.

إذن، يوم ينجح المثقفون اللبنانيون في ابتداع الخطاب الثقافي الذي يقضي على ظواهر التعصب السياسي والديني والديكتاتوريات التي تهدر الحريات والكرامات، والتي هي السبب الأساس في خنق روح الإبداع وتكريس الجمود والتخلف، نتحول إلى مواطنين منفتحين  على “الذات” وعلى “الآخر”، وبعدها يمكن ان يكون لهم دورا، في نهضة المجتمع وتغييره وتحصينه.

 

الشاعر الدكتور محمود عثمان: المثقف محاصر وصوته أقل هديرا

المثقفون أنواع. هناك مثقف مؤدلج يدافع عن عقيدة معينة ويسخر ثقافته من أجلها. وهناك مثقف حزبي يدافع عن حزبه وزعيمه. وهناك مثقف طائفي مذهبي يخضع لغرائزه. والنادر جدا هو المثقف الحر الذي يتعالى على الانتماءات الضيقة ويتوق لترويج قيم الحرية والعدالة والتسامح وقبول الآخر المختلف. ولكن النظام الطائفي الزبائني في لبنان يقيد المثقف حينا وأحيانا يستغل حاجته إلى الوظيفة والعيش الكريم..

لذلك المثقف الحر محاصر وصوته أقل هديرًا ربما من أبواق الأحزاب.

ولكن يقع عليه واجب نشر الوعي اللاسلطوي المناقض للخطاب السياسي السائد..ولا شك في أن مهمته صعبة ولكن قد تثمر عبر التراكم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى