ثقافة

“الشعانين” في  التراث التاريخي الإسلامي

لبنان عربي – ماجد الدرويش

في كل عام نتعايد وأصدقاؤنا وزملاؤنا في المناسبات العائدة كل لمعتقده،  حتى بات الأمر أشبه بالعادة الموسمية، لذلك أحببت في هذه المرة أن أخرج عن المألوف في المعايدة، وأرسل لأصدقائنا وزملائنا من الطائفتين الغربية والشرقية بطاقتا معايدة من نوع جديد، بمناسبة العيد الكبير والشعانين، ضمنتها معلومات تاريخية لا يعرفها الكثير؛ عن احتفالات الصوم الكبير والشعانين في مصر والشام مما ورد في كتب التاريخ الإسلامي.

دير (أبي القدس)

أما البطاقة الأولى فمن مدينتي طرابلس الشام التي كانت قبل الفتح الإسلامي لها (في عام 23هـ/644م) تضم ديرا مقدسا عند الطوائف النصرانية، وعلى الخصوص الرومية، يسمى (دير أبي القدس)، أو (حصن أبي القدس)، وفي بعض المصادر (أبو العدس)،  وقد يكون سبب التردد في تسميته بين دير وحصن أن الدير كان يقع داخل حصن عسكري على عادتهم قديما في عمارة المنشآت. وقد أخبرني البروفسور خالد الجندي، رئيس قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية الفرع الثالث – ابن منطقة دير عمار – أن مكان الدير على الغالب كان حيث محطة كهرباء دير عمار اليوم.

وكانت المنطقة التي يقوم فيها الدير تعج بالحجاج على مدار العام، وبخاصة في المناسبات الدينية مثل عيد الشعانين.

ومما جاء عن هذا الدير في كتاب (فتوح الشام) للواقدي ما ملخصه من كتاب (تهذيب فتوح الشام) للأستاذ حسام مصطفى:

«قال الواقدي: سألت من حدَّث بهذا الحديث عن حصن (أبي القدس)، قال: ما بين عرقا وطرابلس مرج يقال له مرج السلسلة، وكان بإزائه دير، وفيه صوامع، وفيه صومعة راهب عالم بدين النصرانية، وقد قرأ الكتب السالفة وأخبار الأمم الماضية المتقدمة، وكانت تقصده الروم وتقتبس من علمه، وله من العمر ما ينوف عن مائة سنة، وكان في كل سنة يقوم عند ديره عيد آخر صيام الروم، وهو عيد الشعانين، فتجتمع الروم والنصارى وغيرهم من جميع النواحي والسواحل، ومن قبط مصر، ويُحْدِقون به، فيطلع عليهم من ذروة له، فيعلمهم، ويوصيهم بوصايا الإنجيل، وكان يقوم في ذلك العيد سوق عظيم من السنة إلى السنة، وكان يُحمل له الأمتعة والذهب والفضة، ويبيعون ويشترون ثلاثة أيام».

ومرج السلسلة كان يقع في سفح جبل تربل في المنطقة التي بنيت فيها مدينة (دير عمار)، وبنائها يعود إلى أواخر عهد العثمانيين.

الشعانين، تفصيل، حوض نجم الدين أيوب، سوريا، القرن الثالث عشر، “غاليري فرير”، واشنطن.

أعياد النصارى في قاهرة المعز

والبطاقة الثانية من قاهرة المعز زمن الفاطميين، وتضم بيان ما كان عليه بعض الخلفاء الفاطميين من الاهتمام بمناسبات رعايا الدولة على اختلاف طوائفهم. وإنما قلت: «بعض الخلفاء الفاطميين» لأنهم لم يكونوا على درجة واحدة من الاعتناء بذلك، وإنما منهم من منع إقامة الشعائر الدينية لغير الفاطميين في البلاد الواقعة تحت سلطانهم، بل ووصل الأمر بالبعض إلى هدم الكنائس،  وهو الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (حكم من 996 إلى 1021م) الذي أصدر في 28 سبتمبر/ أيلول 1009 للميلاد، قرارا بحرق وهدم كنيسة القيامة في مدينة القدس، وهي أقدس المواقع المسيحية، كما هدم عددا من كنائس الأقباط في مصر، فأطلق عليه الناس لقب: (الخليفة المجنون) أو (نيرون الإسلام).

بينما كان الأمر قبل ذلك مختلف تماما، حيث كانت خصوصيات الرعايا من غير المسلمين، ومن غير العبيديين، مصانة تمام الصون، منذ دخول الفاطميين إلى مصر عام361هـ/  975م، وكان أول خلفائهم فيها المعز لدين الله أبو تميم معدّ بن منصور، وقدم معه من إفريقية أبناؤه، ومنهم ولي عهده العزيز بالله نزار بن معد بن إسماعيل، والذي تولى الخلافة بعد أبيه. ففي زمانه كانت أحوال الرعايا من غير المسلمين مصانة، وخصوصياتهم محفوظة. فقد جاء في كتاب (الحلة السيراء) لابن الأبار الضبي، في ترجمة شقيق العزيز، تميم بن معد، أبي عليّ، شَاعِر أهل بَيت العبيديين:

« وَكَانَت أَيَّام الْعَزِيز بِمصْر أعيادًا: رفاهيةً ودعةً وتمهدا، فَكَانَ تَمِيم إِذا جَاءَ اللَّيْل أَمر مِائَتي فَارس من عبيده بحراسة النَّاس الخارجين فِي أَيَّام النيروز والميلاد والمهرجان وَعِيد الشعانين، وَغير ذَلِك من أَيَّام اللَّهْو الَّتِي كَانُوا ينحون فِيهَا على أَمْوَالهم رَغْبَة، وَيخرجُونَ إلى (بركَة الْحَبَش) متنزهين، فيضربون عَلَيْهَا الْمضَارب الجليلة والسرادقات والقباب، وَمِنْهُم من يخرج بالقيان والمسمعات والمخدرات، وخيل تَمِيم تحرسهم فِي كل لَيْلَة إِلَى أَن ينصرفوا، ويركب تَمِيم فِي عشاري تتبعه أَرْبَعَة زوارق وَأكْثر مَمْلُوءَةً فَاكِهَة وَطَعَامًا ومشروبا، فَإِن كَانَت اللَّيَالِي مُقْمِرَة وَإِلَّا كَانَ مَعَه من الشمع مَا يعود بِهِ اللَّيْلُ نَهَارا، فَإِذا مر على طَائِفَة وَاسْتحْسن من غنائهم صَوتا أَمرهم بإعادته وسألهم عَمَّا ينقصهم فيعطيهم، وَرُبمَا رَغِبُوا إِلَيْهِ أَن يُسمعهم من غنائه، فيقف عَلَيْهِم، وَيَأْمُر من يُغني لَهُم، وينتقل عَنْهُم إِلَى غَيرهم، فيفعل هَذَا عَامَّة ليله، ثمَّ ينْصَرف إِلَى قصوره وبساتينه على هَذِه الْبِركَة، فَلَا يزَال على هَذِه الْحَال حَتَّى تنقضى هَذِه الْأَيَّام ويفترق النَّاس».

*الصور المرافقة للموضوع، مأخوذة من مقالة للزميل الكاتب “محمود الزيباوي”، من نص له نشر في جريدة “المدن” الإلكترونية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى