ثقافة

الكاتب العربي بالأبعاد الثلاثية

لبنان عربي – نبيل عرابي

البُعد الأول:

يثير الأديب الجزائري واسيني الأعرج، من خلال ما ينشره على صفحات جريدة ( الرؤية) الإماراتية من حين لآخر، قضايا تتعلّق بالكاتب العربي وبفعل الكتابة. وقد استوقفني نص حمل عنواناً من هذا المضمار هو: (ما قيمة الكاتب في الوطن العربي؟) نُشر بتاريخ 28 أكتوبر 2019، اعتبر في بدايته أن “المبدع عموماً، والكاتب بالخصوص، لا يموت.. يقف الموت أمامه بلا أسلحة، يضاهي الأبدية والخلود..”، حيث “تبقى الأعمال شاهداً على حياته الأبدية الغنية، ولا يحتاج الأمر إلى إثبات، لأن محيطنا اليومي يؤكد على ذلك”.

وقد ساقه هذا التوصيف إلى رفع الصوت : “هل استفدنا في الوطن العربي من هذه القيمة التي تُعطى للكاتب، بحيث يستمرّ فينا كبارنا الذين صنعوا الوعي الفني الجمعي والإنساني؟”، ومن ثم ليختم قائلاً ” إنه، وباستثناء الجامعة والجهود الأكاديمية في المجالات الضيّقة والمتخصصة، لا جهد يُبذل من أجل فعل الإستمرارية.. لا وعي بالقيمة التاريخية لهذه الشخصيات التي شيّدت جزءاً من الميراث العربي والإنساني في الثقافات الغربية والعالمية.. فكيف يمكن للعربي أن بستمرّ في مدار محلى ودولي، يمحوه كقيمة في كل ثانية؟”.

البُعد الثاني:

أما الأديب اللبناني خليل الهنداوي، وفي مقال له بعنوان (أزمة الأديب العربي اليوم)، نُشر في مجلة العربي الكويتية، العدد 158 يناير 1972، فيعتبر – كما هو واضح من العنوان- أن الأديب يعيش أزمة، ولكنه يتحدث بحسرة عن هذا الموضوع: “ألا ليت أزمة الأديب كانت واحدة، إذاً لهان الأمر .. ولكنها أزمة تتفرع عنها أزمات وكل أزمة آخذة بخناق ثانية فلا يكاد يفلت من شباك واحدة، حتى تتحداه أزمة ثانية أشد وثاقاً!”.

وهو يشير إلى أن “الأديب هو ابن انفعالاته التي تنبع حيناً من موقف ذاتي، وحيناً من مشهد جماعي.. والحكم الصحيح المجرّد هو أن يكون الأديب، في هذه الإنفعالات صادقاً مع نفسه ناقلاً عن شعوره!”.

ويُوضح أن هذه الحال تنطبق أيضاً على “الفكر والأدب، فانهما يعانيان الكثير من الشدائد، ويقاسيان التحولات الكثيرة، ولكن غايتهما المجرّدة في رفع قيمة الإنسان تبقى أبداً وقد يبتعدان عنها ثم لا يلبثان أن يعودا إليها”.

البُعد الثالث:

ونقرأ للأديب المصري يوسف الشاروني الذي أورد في مقال له نشرته مجلة العربي الكويتية، العدد 514 سبتمبر 2001 بعنوان (الأديب والضابط)، موقفاً حدث معه حين سافر إلى هولندا لزيارة ابنه الطبيب، واحتاج هناك إلى عملية جراحية قلبية مفاجئة، جعلته يتجاوز المدة المقررة للإقامة المحددة في جواز سفره. وبعد تماثله للشفاء اصطحبه ابنه إلى شرطة الجوازات، ونصحه بأن تكون بحوزته إحدى مجموعاته القصصية المترجمة إلى اللغة الإنجليزية.

وبعد أن اطّلع الضابط المسؤول على حيثيات الأمر، قدّم له الإبن الكتاب مع التعريف بوالده، وما إن لمح الضابط اسمه على الغلاف وأدرك أنه أديب حتى رآه يقف فجأة ويشد على يده في احترام شديد، ويعلن إعفاءه من أي رسوم إضافية. مما دفعه إلى التساؤل: “كم ضابط شرطة في الجوازات أو غير الجوازات في شرقنا العربي، يقف احتراماً لأديب لم يعرفه من وسائل الإعلام بل من مجرّد كتاب لم يقرأه بعد! “.

 

خاتمة:

لقد حرّك واسيني الأعرج الماء الراكد، ومرّر خليل هنداوي أصابعه على الجراح، ورسم يوسف الشاروني خارطة الدهشة على الوجوه، فاستطاعوا بذلك تحديد موقع الكاتب العربي بالأبعاد الثلاثية التي تتحكم به وأصابوا الهدف المنشود كلٌّ من زاويته الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى