ثقافة

النزاع اللا أخلاقي على السلطة

لبنان عربي – رندة أحمد عبد الكريم

 

النزاع اللا أخلاقي على السلطة، هو نزاع مرتبط بالأفراد المنتسبين وليس المنتمين الى الفكر الحر والقضية الحقة والحقيقة التي تستند عليها حركة الصراع بمجملها.

فالقراءة السوسيو-سياسية لواقع المنظمات، أو الأحزاب، أو مؤسسات الدولة التي شهدت انقسامات وتجاذبات وخلافات وصلت إلى حدود إلغاء الآخر، ترتبط ارتباطاً جدلياً بالقراءة السيكولوجية للأشخاص الذين تلَقوا الأمر بإثارة الفوضى، وشاركوا في التخطيط والتنفيذ لشق الأجساد المدنية (بحسب الدستور) المتلاحمة عن الروح، التي لا تتبدّل ولا تتغيّر، بل هي ثابتة ومترسخة، طالما أنها واضحة في تعاليمها وفكرها ورؤيتها وأهدافها.

وبالتالي تنعكس فلسفة التدمير من الذات على الذات المريضة نفسها، طالما أنها تفتقد إلى المناعة الأخلاقية التي تقوم عليها هذه المؤسسات.

من هذا المُنطلق، هناك قراءات علمية عديدة بيّنت كيف يمكن تحليل النزاع الاجتماعي من وجهة نظر الفعل الاستراتيجي وألعاب السلطة، وألعاب الفاعلين المُنخرطين في أشكال متعددة من النزاع، وذلك وفق منظور بنائي (Constructiviste) للنزاعية (Conflictualité)، يُعطي الأولوية لدور عقلانية الفاعلين في بناء سياسة التنظيم من “تحت”، ويستلهم في ذات الوقت، بعض عناصر التحليل الاستراتيجي للتنظيمات ومقاربة التضبيط الاجتماعي.

الا أننا نتناول في هذا المقال النزاع بين أطراف «شديدة الانقسام»، حيث ننطلق من قراءة سوسيولوجية للنزاع، نحدد من خلاله «الانقسامات العميقة» التي تتطلب أشكالاً خاصة من التدخل، وذلك للحد من الطبيعة الانفعالية والمفخخة المفترضة للعلاقات المشوّهة أخلاقياً،  والقائمة ضمن المؤسسات المتعددة وغير المتجانسة وذات أهداف متباينة.

من هنا، نرى بأن الأحزاب الأخلاقية العقائدية المتخاصمة من الداخل مثلاً، تلفظ تلقائياً كل الأفراد الذين تخلوا عن تربيتهم الحزبية الأخلاقية، وتجعلهم يصطدمون بمخططاتهم وأفكارهم وأفعالهم إلى درجة فقدان الوعي،  والدخول في غيبوبة الوجود، حيث يشعر المريض بالأخلاق أنه مجرد لا شيء، حتى أنه يفتقد الإحساس بكيانه كجسد وروح متلازمين.

هو الفراغ الحقيقي الذي ينتظر من أراد الوصول إلى القمم،  وهو مجرد إناء فارغ من المضمون الفكري والأخلاقي والثقافي، فيكون سقوطه مدوياً إلى القاع الذي يشبه فكره الإلغائي.

أما الأزمة النفسية التي بدأت بالتخلي عن الذات الإنسانية والكرامة التي تعزز وجودها، فقد ارتبطت بالمكاسب السلطوية والمالية الوهمية، لتُفْقد الأفراد المراهنين على قلب المعادلة المؤسساتية، شرعية وجودهم في المؤسسة وتسقط عنهم كل الصفات والرتب، التي ترتبط فقط بالعقيدة الأخلاقية.

في السياق نفسه، لا يمكن لقيادة انقلابية في أية مؤسسة أن تعزز سلطتها ووجودها وهي تنفذ أوامر قيادات أخرى، كما لا يمكنها الاستمرار والصمود في وجه الرياح المعاكسة لمبادئها وقيمها، ولا يمكنها أن تواجه العالم وهي لا تستطيع أن تواجه ذاتها.

من هذا المنطلق، لا بدّ من القول أن انتزاع السلطة لا يكون بتغيير وتشويه المفاهيم المؤسسية الأساسية، وإعادة صياغتها بأسلوب تخريبي تشويهي ممنهج، قد لا يعبّر فقط عن إرادة المختلّين عقائدياً وأخلاقياً، بل عن إرادة الجهات الممولة والداعمة لكل هذا الخراب، بما فيه مصلحة أعداء المؤسسة أو الجمعية أو الحزب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى