ثقافة

بين قوة المنطق ومنطق القوة

 

لبنان عربي – د. ماجد الدرويش [1]

 

أكثرَ القرآنُ الكريمُ من ذكر القصص للعبرة والعظة، وشمل القصص أخبارا عن الأمم السابقة عبر مراحل التاريخ المتنوعة، وقد علل القرآن الكريم إيراد القصص بالعبرة، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾.

وأكثرُ قومٍ قصَّ اللهُ تعالى علينا أخبارهم، هم: (بنو إسرائيل)، وذلك عبر مراحل متعددة من تاريخهم، وأهم هذه المراحل مرحلة سيدنا موسى عليه السلام، وصراعه مع فرعون ، ذلك الطاغية الذي كان يسيطر على الأرض المعروفة يومها.. والذي كان يرى؛ بسبب القوة المادية التي يملكها؛ أنه الحاكم المطلق، واستطاعت حاشيته المستفيدة من حكمه وجبروته إقناعه بأنه إله، فراقت له الفكرة، وأعجبته القضية، لذلك عندما جاءه سيدنا موسى عليه السلام طالبا منه عبادة الله الأحد، كان جوابه في خطابه لقومه ولبني إسرائيل (ما علمت لكم من إله غيري).

والذي يهمني هنا من هذه القصة تلك المواجهة التي وقعت بين سيدنا موسى عليه السلام والسحرة الذين أتى بهم.

الفكرة في مواجهة القوة

والآيات في القرآن الكريم معروفة، سأحاول تقريب معانيها قدر الإمكان:

رسول الله موسى عليه السلام يذهب إلى فرعون لمحاججته وتذكيره بالله الأحد ﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ وهذا يوحي بأنه في الأصل كان يعلم بوحدانية الله تعالى، لكن الوضع الذي كان عليه من قوة وهيمنة تامة، مقرونا ببطانة سوء تعظمه وتألهه، وتوحي له بأنه هو الذي يستحق الطاعة والعبادة، وأن الخارجين عليه مفسدون في الأرض، كل هذه الأمور جعلته يستعلي وينكر ويمعن في طغيانه راكنا إلى قوته المادية.

ونتيجة لهذا الركون لم يكن يخطر على باله أن أحدا يجرؤ على الخروج عن أمره، بل واضح أنه كان يستهزئ بكل فكرة تطرح تحمل في طياتها تحفيزا للناس من أجل الإيمان بالله تعالى: فإذا كان موسى يعد الناس بجنات تجري من تحتها الأنهار، فها هي حدائق مصر كلها ملك لفرعون وهذه أنهارها تجري من تحته، فما الفرق بين ما عنده وما عند رب موسى؟؟ بهذا المستوى من الاستخفاف كان فرعون يخاطب قومه ليقنعهم بعدم الاستجابة للحق.

المناظرة مدخل إلى الانتصار

وبقيت المعضلة الأكبر المعجزات التي أيد الله تعالى بها نبيه، فعند فرعون انقلبت العصا إلى حية تسعى، وقوم فرعون في تلك الفترة كانوا مشهورين بالسحر، وجرت عادة الله تعالى أنه يؤيد كل نبي بمعجزات من جنس ما تحسنه أقوامهم، وانقلاب العصا حية لم يكن سحرا، وإنما كان تحولا حقيقيا وانقلابا للجماد إلى حياة بقدرة الله تعالى الخالق لكل شيء، لكن فرعون لم يره إلا سحرا، وبالتالي سيجمع أمهر السحرة ليناظروا موسى في السحر. وقد حاول أن يظهر في هذه الخطوة بمظهر الحاكم الحضاري الحريص على مقارعة الحجة بالحجة، إلا أن الحقيقة أن السحرة كانوا سلاحه الأوحد للانتصار على ما جاء به موسى عليه السلام.

إنها الحرب بين فكرة الحق وعنجهية الطغيان، وقد ظهر ذلك جليا عندما آمن السحرة الذين استعان بهم ، فخسر بذلك المعركة، وظهر عجزه التام أمام الحق على الرغم من القوة المفرطة التي يملكها.

وماذا تنفع القوة المادية أمام قوة الحق؟ هي تنفع عندما تتكامل مع قوة الحق، فيتولد عن ذلك حضارة بشرية راقية، أما إذا تعاكست فكرة الحق مع القوة المادية، فحينها سنرى طغيانا وجبروتا وظلما وفتكا شديدا، واستهزاءً بالناس وحياتهم، إنها باختصار قضية صراع الحق مع الباطل، هذا الباطل الذي لا يصمد أمام الحق مهما بلغت قوته، وها هو فرعون يشعر بعجزه التام أما العصا التي كان يحملها سيدنا موسى عليه السلام، عصا في مواجهة جيوش فرعون الجرارة المدججة بأقوى أنواع السلاح، عصا تستمد قوتها من قوة الإيمان بالحق واليقين على الله تعالى، وإذا كان فرعون، وأمثاله، يركنون إلى قوتهم المادية التي يرون أنها لا تقهر، فإن هذا الغرور سيكون السلاح الذي ينتحر به صاحبه.

وهكذا كان: بدأ فرعون بحشد جنوده من كل المدن التابعة لسلطانه، كل جنوده، لم ؟ لملاحقة شرذمة قليلين، هكذا سماهم، كما أخبر الله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ۞ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ۞ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ۞ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. فإذا كانوا شرذمة قليلين، فلم تحشد لهم كل هذه الحشود؟

إنها الخسارة المدوية التي مني بها الدكتاتور المتجبر في مواجهة الفكرة، هناك انتصر الحق على الباطل في معركة لا تنفع معها جيوش الأرض،  وإنما النصر فيها لقوة المنطق.

فما الحل والحالة هذه؟

القوة لتعويض الخسارة

لا بد من استعمال القوة لضرب الحق، والبداية من بث الأراجيف حول مؤامرة كونية كبرى تحاك ضد الحاكم، وبوادرها تواطؤ السحرة مع موسى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، متناسيا صاحبنا أنه هو الذي جاء بهم، وأغراهم بكل أنواع المكافآت، ولما كان السحرة أهل خبرة علموا أن ما جاء به موسى ليس بسحر، إنه خَلْقٌ حقيقي، وتحويلٌ للجماد إلى كائن حي، وهذا لا يقدر عليه إلا رب العالمين، فكان من البدهي أن يقارنوا بين الإله الحق، وبين الإله المزعوم، فاختاروا الحق على الباطل وفازوا فوزا عظيما.

أما فرعون، الذي لم يعد أمامه سوى البطش لفرض هيبته ومنع الناس من الخروج عليه، جمع جيشه الجرار، ولحق بموسى عليه السلام ومن معه، وهو لا يخالجه أدنى شك بأنه منتصر، فجعل الله تعالى تدميره في تدبيره، فالقرارات التي اتخذها لفرض هيبته وتثبيت ملكه كانت السبب لإهلاكه في أمر ما كان يخطر على بال، ولا يتوقعه أحد. فمن كان يخطر على باله أن جيشا عرمرما مثل هذا ستكون نهايته الغرق؟

إنها أقدار الله تعالى الغالبة التي يغفل عنها الظالمون الذي يلجؤون إلى عضلاتهم لفرض سيطرتهم، بدل الاعتماد على عقولهم في نشر أفكارهم. وهيهات هيهات أن تنتصر على العقول العضلات. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۞ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.   ﴿ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ۞ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ۞ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾.

فلا يهولنكم اليوم ضعف المنطق في مواجهة الباطل، فالمعركة ما زالت في بدايتها، والتحولات الكبرى لاحت بوادرها، وإن غدا لناظره قريب.. ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ۞ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ  ﴾.

[1]  – أستاذ جامعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى