ثقافةرأي

ثمن حريتنا… ” حشرة “

لبنان عربي – هدى بياسي

ثمّ ماذا لو قلبنا الآية، ماذا لو لمرّة تعلّمنا من التراب الحكمة، ومن الجراثيم القدرة ؟

 ماذا لو اعترفنا أنّ أحقر كائنات الكون استطاع أن يهزم أشجعها؟

ماذا لو مشينا في الأرض وعوضاً أن نقرأ قيامة الموت رأينا انبعاثا جديدا للحياة؟

ها هي الأرض في انتقامها الطفولي تستعيد عافيتها، وتجبرنا على إعادة حساباتنا وهيكلة حياتنا، وكأن قانون العيش يستدعي الهلع لكي يعرف الإنسان قيمة البقاء.

فلنتفكر قليلا، قد تكون الأرض حقاً تعبت منا، من تكاثرنا الفظ، من أنانيتنا في استغلال مواردها، من عدم اكتراثنا بصراخها، من فيزياء الفوضى وبيولوجيا العبث، لقد غزوناها حتى بات كلّ شبر منها تحت مجهرنا فلم نرحم برّها ولا بحرها ولم نرأف بمخلوق من مخلوقاتها.

كان على الأرض أن تتصرّف بحكمة لا بحبّ، أن تعطينا درسًا في الاخلاق وآداب التعامل بعدما وهبتنا مفاتنها فشوّهناها وسخرت مسالكها لنا فدمرناها.

لقد خرجت الأرض عن مبدأ العين بالعين لتخبرنا أننا أقل ضآلة من حجم جرثومة، يا له من احتقار!

ها نحن مسجونون، خائبون، بدائيون، حضارتنا وتاريخنا وانجازاتنا وعلومنا كلها تندرج تحت مسمى واحد: الوهم. وكأنّ العالم صار حقاً عالماً افتراضيًا، وعادت الدواب والحيوانات تتبوأ مراكزها الاصلية على سطح الكرة الارضية.

فهل أنقذتنا ثورة المعلومات وفورة التكنولوجيا والوصول إلى القمر؟ كان ثمن حريتنا مجرد حشرة، بل جرثومة ترانا من حيث لا نراها. يا للعبث.

إنّ استمرار البشرية الان ليس مرهونا باقتصاد الدول القوية، فكلّ الانظمة انهارت أمام فوز الطبيعة الساحق. إنها بداية النهاية لكلّ الذين كانوا يعتقدون أنهم آلهة الأرض.

نحن الآن أمام المنافسة الأشد ضراوة، منافسة بين الإنسان وواقعه “الوسخ” بكل ما تحمله الكلمة من معان ودلالات. فإما أن نعيد ترتيب أولوياتنا في هذا الوجود أو أن الحياة لا تليق حقا بنا.

فشكرا كورونا لأنك أخيرا جعلتنا نقف أمام مرآتنا لنكتشف كم نحن ضالون وضئيلون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى