ثقافة

سلامٌ مفقود*!

لبنان عربي – راما هنداوي

عروسٌ عشرينية من الألفية الثانية، تبدو في الاربعينيات لكنني أراها في التسعينيات. تلوح كريحانٍة أذبلها الظمأ، شعثاء مغبرة، كأنها فرت من قسورة، بيد أن شعث الهامة شاب كضوء قمرٍ باهتٍ، تكاتف مع غضونٍ تفرعت خيوطه على خِلقتها. فالجسد جثمانٌ غدا صدئ السنين انكساراً وارتداداً.

تتلاعب أطرافها بين شجرٍ مثمر، وثمرٍ مقفر، تتناغم نعيماً وشقاءً، تعزف بشمالها الهانئ ألحان الترف والبهجة، وتنوح بجنوبها البائس آلام الشقاء والوحشة، كوردةٍ ملساء، بأغصانٍ هوجاء، يدٌ تلامس شفير النجوم، وأخرى تواسي أنين الهموم. عويل من الذكريات يبلغ مرمق النجوم… بشمالٍ هانئ، وتلألؤٍ ساطع، بأساورَ من ذهب، وكسوةٍ يُقال فيها العجب، نصفها الهاني تغندر وتعطر، تكبر وتجبر ، كتنين نفث لهيبه وريحه السموم في جنوب بائس، فأشعل وأوقد، خرب ودمر، وباستخفاف لافت أمطره بِوابِل غرقد.

في ظلال الجمود، وقصف الرعود، ومصارعة اللُّحود، صوت النواح يخترق الخمود، لا معتصمَ يلبي الحشود، ولا صلاحَ يصون الحدود… حمرةُ الدماء أضحت طلاء للشفاه أو الخدود، أطلال تركت بلا وعود، وبليلةٍ باتت ضباعٌ عليها تسود. نصفها الباكي نعى وصبر، تفجّر وتهجّر، وبخرقةٍ تستر، فوق سيل الدمِ الاحمر، واحتكاك الرصاص بالبشر.

أنا هي تلك العروس… لست بفستانٍ ناصع ولا بشعرٍ لامع، بين أشلاء القتلى والخراب الواسع، كجملٍ تاه في صحرا، أو وردةٍ ذبُلت عطشا وقهرا… أرمق ما حولي بصمت وسكينة، لوهلة ظننت أني وحيدة، ولكني وجدت نفسي وسط زفاف حضره أترابي، جاؤوا يباركون حفل زفافي… شباب تتلاطف عليهم الأعمار… ناظرتهم واحدا تلو الآخر… إنهم شجر أُحسن غرسه لكن لم يستوفِ ينعه، ولم يكتمل حصاده… ملامحهم جميلة، لكن فروقاتهم كبيرة… حيث الحكايات وفيرة، والعبارات مريرة…

لكن عمّن أحدثكم؟! عن شباب أُثقل حمله، فأتعب نفسه بحقيبة سفر، راكلا بلداً أذله، أو رجلٍ حمل زورقا ومجدافا مع طفل نخاف أن يغرقه، هربا من خوف يلاحقه…

هي الحياة… نجتازها سفراً وقسراً ، وكلٌّ بكأسِ الموتِ ملزومُ… فالظاهر حكاية، وللباطن رواية، لكن لكل واحدٍ منهم بداية ونهاية.
وبالرجوع إلى الحقيقة، لابد وأنّ لكل نصفٍ نصفه، يشد أزره، ويقوّم عضده، فنصفيَ السلام وأنا عروسه، لكن ما زلت أنتظره ولابد أن أجده. وفي نهاية الحكاية سكت الجميع، فما نغّم أحد منهم بحرف.

*النص الحائز على المرتبة الثانية في جائزة الدكتورة عزيزة الفوال بابتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى