ثقافة

شراع السفينة لم يعد مرتعاً للريح

لبنان عربي – نبيل عرابي

   عندما تتساقط مفرداتٌ من الأمل والشجاعة وحبّ البقاء كأوراق خريفية، لم تَعُدْ تقوى على الصبر والمواجهة، ويبدأ دوران عقارب الساعة بالتشابه، مللاً.. وانتظاراً.. واحتضارا، كالوصول إلى محطة، تخالها الأخيرة،

أنتَ تعرفُ أنّ يوماً سيُشرقُ على مُحياكَ

  مثل أي يوم آخر. (1)

   لكنكَ تتقهقرُ قسراً، وأنتَ تصدحُ ملء فسحة الفراغ، التي صارت أمراً واقعاً في ما تبقى من وجودك:

  ليست حياةً… هذه النبضات المظلمة المروعة للقلب،

  هذه الشفقة.

  إنها ليست أكثر من خديعة الدمِ

  حيث الموتُ في وردة. (2)

   ويشخصُ بصرُكَ باتّجاه واحد، كأن بوصلة الحياة لم تعُدْ تعمل، أو أنّ شراع السفينة لم يعُدْ مرتعاً للريح. وتشعُرُ بروحكَ تنسلُّ ببطء من ثنايا جسدك، لتفقدَ العزمَ شيئاً فشيئاً، وتتراءى لك الذكرياتُ، مزيجاً من الأمس واليوم، لتختصرَ العُمْرَ بومضات، فتهمس في نفسك، وكأنك تخاطبُ عيون الدهشة والحسرة:

  قد أكونُ طفلاً خائفاً من الموتى،

  خوفَ مَن يستدعيهِ الموتُ

  كي يحرّرَهُ من الأشياء الحيّةِ كلها:

  أطفالاً، أشجاراً، حشراتٍ.

  من كل الأشياء التي تملك قلباً للحزن. (3)

   وبدون أي تردّد، سيكون الصمتُ هو الزائر الثقيل الذي سيبدو وكأنه يمارسُ سياسة كمّ الأفواه، فتتابع همسكَ بالوتيرة ذاتها، دون أن تقيمَ اعتباراً لأي شدّ انتباه، أو الإدلاء بحكمة ينتفع بها:

  حزنُ أشياءَ لا أعرفُها

  مزروعٌ في داخلي: موتٌ آخر.

  أبدأ أحسّهُ يُثقلُ قلبي

  بالعُشب، والمرْج. (4)

   وقبل أن يأتيكَ ردٌّ، يخالُ المتفوّهُ به أنّهُ قد حظيَ بما يكفيه من العلم والمعرفة، فإنكَ ستختم كلامك:

  حتى الموت من أجل الحب،

  لم يعُد يعزّي الحياة. (5)

1-5 : قصائد مختارة، الشاعر الايطالي سلفاتوري كواسيمودو (1901- 1968)، ترجمة: فوزي كريم، سلسلة (الكتاب للجميع) رقم (106)، دار المدى للثقافة والنشر، 2010.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى