ثقافة

وطني.. بين الألم والأمل*

لبنان عربي –  آية نور محمود هرموش

     

     أقف اليوم أمام باب منزل مهدّد بالزوال، منزل عشت فيه حياتي بحلوها ومرها، بشقائها وسعادتها. أقف امام هذا الباب، يدي المرتجفة تمتد نحو مقبضه، أحسبه الأمل الوحيد للفرار من الحالة التي أصبحنا عليها. فلقد عمّت الفوضى أرجاء هذا البيت، وحاصرته الدّيون من كل مكان، وغمرت الكآبة وجوه أهله، كآبة لم يسبق لي أن رأيتها من قبل. فلم يبق أمامي  سوى الخروج من هذا الباب للنّجاة مما نعانيه. لكنّ شيئا لا يزال يشدني إلى البقاء، يطلب مني التفكير فيما يجري حولي، فأتّكئ على الباب منهمكة لوهلة، وهنا تبدأ الأسئلة تراود عقلي، تسألني، لماذا وصل وطننا لبنان الى هذا المستوى من الألم والحزن؟

نهضت من أمام الباب، وبدأت أعود أدراجي أحاول استرجاع ماضي هذا الوطن. فمنذ  أن لمست قدماي أرضه، وثغرات كبيرة تملأ أرجاءه… ثغرات ثقبت منذ عشرات السنين… بل ولدت مع ولادة هذه الرّقعة الصغيرة، وتأسّست مع تأسّس هذا الوطن. فأرضنا بنيت على أركان  ضعيفة هشّة  مبعثرة لا تعرف الوحدة والتضامن، فتكوّنت على أساسها غرفًا متفرقة. وحاضرنا هو خير دليل على ذلك، فحياتنا اليومية باتت جزءا لا يتجزأ من الطائفية، والتمييز المذهبي والعنصريّ والطبقيّ والاجتماعيّ  في كل  معاملاتنا الاجتماعية والرسمية، وحتى في اختيارنا لمن يدير شؤون بلدنا.

لم يعد للوحدة وجود في بلدنا. أصبحنا شعبا متفرقا،  الواحد منا بعيدٌ كل البعد عن الآخر، على الرّغم من كون الوحدة سببا مهما لاستمرار الوطن والحفاظ عليه، إلا أنها لا يمكن أن تتحقق في جو من انعدام الثقة، الذي بات مخيما على الوطن هذه الأيام.
لقد قل في مجتمعنا، من نجد عنده الرغبة والاندفاع لمساعدة أبناء وطنه، أو حتى تصديق أقوالهم وأفعالهم. أصبح الجزء الأكبر ينظر إلى الاخر بعين الشك والريبة، حتى أسدل الكره والأنانية ستارهما على القلوب والعقول، فلم يعد أحد يثق بالآخر كما في السابق. ولكن وطننا أمٌ لا تزال تجاهد لتعاود ربط الحبال التي قطعت بين أبنائها منذ عقود، ولكن عبثا تحاول…
تقترب منهم متوسلة إليهم التعاون والوثوق ببعضهم البعض، ولكن يأبى أبناؤها ذلك… فترفع الأم رأسها نحوهم، وقد ملأت دموع اليأس عينيها، قائلة: “متى ستدركون أهمية التضامن؟ ألا تعلمون أن قوتكم في وحدتكم وتعاونكم؟ وأن ضعفكم  وانكساركم في بغضائكم وأنانيتكم؟”

عدت نحو الباب من جديد. لكن هذه المرة لم أعد لأمسك بمقبضه، بل عدت لأخبره أنني لن أرحل من منزلي ووطني نحو الغربة… لا، لن أترك أرضا نشأت وترعرعت فيها، إنّما سأحاول البحث عن حل لإصلاح ما تهدم. سأعاود جمع ما تبقى من بذور الأمل علّنا نزرعها أساسا جديدًا، ينبت بأشجار الوحدة والثقة، فنقطفها غدا ثمار ازدهار وتقدم للأجيال القادمة.

* النص الحائز على المرتبة الثالثة في جائزة الدكتورة عزيزة فوال بابتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى