ثقافة

يَومٌ مِنْ حُلُمٍ وَوَرد..!

لبنان عربي _ مروان الخطيب*

في ذاكرةِ القلبِ، تُعَشِّشُ مُوحِيةً كالأُرجوان، وتقومُ مُصلِّيةً كالبيلسان، وتَسرَحُ في مطاوي النَّفسِ كَعَدوِ الغُزلان…!.

…، هي باقةٌ من شَوقٍ يُشبهُ الهَواءَ والماء، وتسترسلُ في الرُّوحِ أُضمومةَ قَرَنْفُلٍ ودواء، وتكتبُ في صَفحةِ الوَجدِ أبجديَّةَ البَوحِ والسَّخاء، وتَرومُ إليها النَّفسُ تَوقَها إلى النَّجمِ الهادي في السَّماء…!.

كانَ ذاكَ النَّهارُ يوماً لِولادةِ الأحمرِ في قلبي ونبضي، ومَدىً مَفتُوحاً على سيرةِ النَّخيلِ والهَديل، وكُنتُ أتأمَّلُ تلكَ الفتاةَ بِشَغفِ العَطِشِ إلى نُغبةٍ من نهرِ الكوثر، وكانتْ بِدورِها تلهو معَ رفيقتِها فوقَ سطحٍ مُشْرِقٍ في بيروتَ كَشمسِ آذار، وَيُحيلُ المُخيَّمَ هُناكَ إلى رِقصةِ التَّانغو، أو يجعلُهُ يتسرَّبُ من سِجِلِّ الوَجعِ والألم، إلى بارقاتِ الأملِ والبُرقوقِ المُزَيَّنِ بالأخضرِ والبَنفسجِ، وبِلوحةٍ رُخاميَّةٍ بيضاءَ، كأنَّه مكتوبٌ عليها في جنَّةِ عَدْن:”أُحبُّها…!”.

وَهُناكَ، كُنتُ سيلاً من ربيعٍ يشهقُ إلى أعالي الملكوت، ويتنفَّسُ الصُّعداءَ مُتَخَفِّياً بِإزارِ الصَّمتِ، ومُتَلَحِّفاً بحنينٍ يجعلُ من صَحراءِ الرَّبعِ الخالي واحاتٍ من جمالٍ مَسكونٍ بكلِّ الأطيافِ السَّاحرةِ والألوانِ الخَلوبات…، وكُنتُ فوقَ كُلِّ هاتيكِ الأنسامِ، مُتَسَرِّباً من نفسي إلى قلبِها الرَّاقصِ أمامي كما لو كانَ مُتَدلِّياً من سِدْرةِ المُنتَهى إلى فؤاديَ الذي أدمنَ الحُزنَ منذُ صِغره…!.

…، وارتقيتُ في أحلامي آنها، حدَّ انبعاثي إلى الحَياةِ مُجَدَّداً، وَصَعِدتُ إلى عينيها من دونِ أنْ تراني…، وكم تَمَنَّيتُ وقتَها أنْ أقولَ لاشراقةِ وجهِها في دمي ونُسغي تلكَ الكلمةَ المُدوِّيةَ في نَهرِ العِشْقِ والوَجدِ والذوبان…!.

…، آهٍ يا سيِّدةً مزروعةً فيَّ ذاكرتي سَوسنةً لا تبلى ولا تَموت، وتُشْرقُ دوماً في سُلافي شَوقاً يفوقُ ولعي بالوَردِ والتُّوت، وَتحملُني في تضاعيفِ هُيامي إلى كتابِ اللهِ العظيمِ، وإلى سيرةِ يُونسَ في بطنِ الحُوت…!.

آهٍ يا لؤلؤةَ جُفوني وعيوني، ويا حُروفِ قصيدي وقافيتي، ويا الماضي الذي أراهُ آتياً واستمرارَ عزفٍ يرقى بي إلى زمانِ التُّوليبِ وأزهارِ الأقحوانِ وأسرارِ المَرجان، ويا نداءَ حياكتي نَهْدةَ ضُلوعي إلى مَداركِ الرُّحاقيِّ الذي لا يُفارقُ نياطي ووَتيني…!.

…، ها أنذا أُناديكِ ملءَ الغابرِ والقابل: مازلتُ أحيا على ذلكَ الطَّيفِ، طفلاً وكَهلاً وشيخاً، وأهمسُ في نقي ضُلوعي وعِظامي بلا مَللٍ، ومن دونِ كَلل: أتوقُ إليكِ سيِّدةً تُزَيِّنُ حقيقتي وخيالي، كما القُدسُ تُزَيِّنُ المدائنَ، وتستلقينَ فيَّ مدىً لا يصلُ إليه الامِّحاء…!. 

شاعر فلسطيني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى