ثقافة

“10476” وثائقي لـ محمد طرطوسي عن مفقودي الحرب الأهلية

لبنان عربي – مطيعة الحلاق

منذ صغره شكلت قصة فقدان الجدة أم رشيد، بتاريخ 10 نيسان من العام 1976، لإبنها البكر البالغ من العمر آنذاك 16 ربيعاً، بالنسبة إلى الشاب محمد طرطوسي، هاجساً كبر معه وانحفر عميقاً في وجدانه، وهو يرى تفاصيل المعاناة اليومية التي تعيشها جدته لأمه، رغم أنه ولد بعد أكثر من 15 عاماً على فقدان خاله.

صور كثيرة تعرّف إليها محمد منذ صغره، من الحزن العارم الذي يعتصر قلب الأم على مدار اليوم، إلى ركضها المتواصل بين مسؤول ومركز وجمعية، إلى المشاركة في تنظيم الوقفات الإحتجاجية والمطلبية بين وقت وآخر مع – زميلات وزملاء – لها يتشاركون مصيبة الفقد وعدم معرفة مصير أعزاء لهم على امتداد الوطن اللبناني من أقصى شماله الى أقصى جنوبه مطالبين الحكومة والمعنيين بالعمل على هذا الملف.

اليوم وبالرغم من تقدم السنين بها، لم تيأس “الجدة” أم رشيد، وهي تصر على المشاركة في أي تحرك مماثل مهما كان المشوار إليه شاقاً، إلا أن حالتها كسيدة متقدمة في السن أثر على نشاطها.

من الجدة إلى الحفيد ولد “10476”

يعرّف محمد طرطوسي إبن الـ 26 عاماً عن نفسه بالقول أنه “صانع أفلام”، “درست الإخراج وعملت في صناعة وانتاج الأفلام الوثائقية مع الكثير من القنوات الفضائية العربية وشركات الإنتاج المحلية”، كما شارك في مهرجانات وندوات وأنشطة عديدة متعلقة بالسينما.

ويقول لـ”لبنان عربي” عن فيلمه “10476”: “الفيلم يحكي قصة شاب فُقد بتاريخ 10 نيسان 1976 خلال الحرب الأهلية اللبنانية، أروي قصته من خلال والدته – جدتي – وما واجهته من تحديات في رحلة البحث عن إبنها، والتي لن تنتهي طالما أن هذه الأم وغيرها من الأمهات والآباء والزوجات والشقيقات لم تجد بعد إبنها أو زوجها أو شقيقها ولم تستطع معرفة مصيره”.

ويضيف طرطوسي: “في المقلب الآخر أجريت مقابلات مع بعض المقاتلين السابقين المنتمين للأحزاب المتصارعة في تلك الأيام، ليتحدثوا عن تجاربهم ومشاركتهم في حرب لم تؤتِ إلّا الخراب على الجميع وما حلّ في مصير المفقودين البالغ عددهم 17 ألف مفقود بعدما غسل المسؤولون عن الحرب الأهلية أياديهم من حصادها المرير”.

ويتابع محمد بنظرة كئيبة وكأنه يرنو بعيني جدته: “هيدا الفيلم من أنا وصغير أراه يُعرض أمام عينيّ، وأعرف وجعه وتضحية الأم كرمال تلاقي إبنها الضايع وبعده حتى اليوم الأمل عندها باقي إلى أن تجد إبنها”…

17000 مفقود منذ الحرب الأهلية اللبنانية

ما زال ملف وقضية المفقودين والمغيبين قسراً في لبنان حيّاً في وجدان معظم اللبنانيين منذ الحرب الأهلية، حتى لأولئك الذين لم يعايشوه أو لم يفقدوا عزيزاً من عائلاتهم، من هنا يعكس محمد طرطوسي أهمية صناعته لهذا الفيلم وكأن حلماً تحقق أو هماً انزاح عن كاهله حين استطاع توثيق المعاناة يقول لـ”لبنان عربي”: “هيدا الفيلم مش مهم يوصل لجوائز أو يربح بالمهرجانات أو ينقبل بشي مهم، على قد ما قصته وقضية المفقودين مهمة، لأن هيدا حق من حقوق كل أم تلاقي ابنها وبنتها وأي شخص مفقود ولازم كل العالم يساعد بهكذا قضية، إنه توثيق للمعاناة ووسيلة لإيصالها الى العالم الخارجي”.

مضيفا: “هيدا الفيلم مش بس لأن المفقود هو خالي وهو وجع ستي وحرقة قلبها تفقد شاب كان بعمر الورود، هو وجع 17000 عيلة فقدت أولادها وأحبابها”.

تجدر الإشارة إلى أن الرقم 17000 هو استناداً إلى سجلات قوى الأمن الداخلي اللبناني الصادرة في العام 1991 بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكنه رقم غير خاضع للتدقيق والمراجعة منذ ذلك التاريخ، كما تفيد لجنة المفقودين في لبنان، وهو قد يكون أكبر من ذلك بكثير نظراً إلى أن العديد من ذوي المفقودين والمغيبين قسراً لم يتقدموا بأي طلب لتسجيل مفقوديهم إلى أي جهة رسمية أو مدنية كلجنة المفقودين أو قوى الأمن، كما أنه لم يتم تحديث التقارير الصادرة عن الجهات الرسمية منذ العام 1991.

موسيقى تصويرية خاصة وفريق عمل متخصص

مدة الفيلم 12 دقيقة، لكن العمل به استغرق عدة شهور، والصعوبات التي واجهته كانت عديدة، فبالإضافة إلى حساسية الموضوع وصعوبة إقناع المقاتلين السابقين المشاركة في الفيلم يقول محمد: “بالرغم من أنني قطعت وعداً بتمويه الوجوه إلا أن ذلك لم يمنع البعض من رفض المشاركة بشكل قاطع، من هنا كانت الصعوبة ولجأت إلى تمويه وإخفاء وجوه المقاتلين السابقين المشاركين في الحرب الذين تحدثوا في الفيلم، واكتفيت بوضع خلفية لونية ترمز إلى “الحزب” الذي كان ينتمي إليه الواحد منهم”.

يتابع: “بالإضافة إلى أن صعوبة العمل كانت كبيرة لأنه ليس فيلماً روائياً قصيراً، هو فيلم وثائقي والأفلام الوثائقية دائماً الأصعب، تعبت كثيراً حتى انجاز الفيلم، لكنني لا أستطيع أن أنكر مساعدة شركة (Under Cover Production) التي قدمت لي المعدات، وفريق العمل الذين آمنوا بفكرتي وقضية الفيلم، من الموسيقى التصويرية الخاصة بالفيلم وهي للفنان الموهوب عدنان جباضو، والصديقة ريان قاروطة كمنتج منفذ، إلى جانب بعض مقاطع التحريك Animation لأنس صبيح، والمصور إلياس زغيب كما أن الديكور وال setting كانت لسعد جباضو. لقد تعبنا وتعذبنا كثيراً كفريق صغير استطعنا إنجاز شغل كبير وصعب. يقول محمد:”لقد عشت فترة تعب نفسي عندما كانت تتعرقل بعد القصص والتفاصيل، كما كنت أحياناً أنزعج، خاصةً بس حدا يقلي شو بدك بالقديم إعمل شي جديد وريح راسك بس بالنهاية عملت اللي بدي أعمله وأنجزت الفيلم”.

إلى المهرجانات السينمائية والمكتبة السينمائية لمهرجان Clermont Ferrand

يذكر أن “10476” قد تم إدراجه لمدة 12 شهراً في المكتبة السينمائية لمهرجان Clermont-Ferrand International Short Film Festival
السينمائي الدولي للأفلام القصيرة مما يتيح مشاهدته مجاناً للمهتمين والعامة.

ويتقدم محمد بالفيلم للمشاركة في عدة مهرجانات خاصة تلك المهرجانات المختصة بحقوق الإنسان على أمل أن تصل قضية من قضايا حقوق الإنسان إلى بيئة وعالم آخر خارج لبنان والعالم العربي، ويختم طرطوسي: “برجع بأكد مش مهم ربح الجوائز أو الترشيحات على أهمية القضية الإنسانية”.

وهو يخطط في المستقبل لمتابعة تحصيله العلمي في ميدان صناعة الأفلام وخاصة الأفلام الوثائقية ويختم: “الأهم أن أضوي على القصص الإنسانية التي من الممكن من ورائها أن يحصل التغيير وتصل للرأي العام”.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى