رأي

الانحراف في لبنان… في كل مكان

لبنان عربي _ فاطمة علي الموسوي

 

ننطلق من المقاربة الجديدة لمفهوم الانحراف وتزايده في لبنان من ملاحظات L.MUCCHIELI.

فبالنسبة للأخير فإن “ارتفاع الإحساس باللاأمن والعنف يفسر بعاملين: من جهة، هناك الأزمة الاقتصادية والاجتماعية (نهاية سنوات المجد الثلاثين، ارتفاع البطالة والعمل الهش، خصوصا لدى الشباب)، ومن جهة أخرى، تطرح إشكالية التمثيلية السياسية (رجال السياسة أصبحوا يفقدون أية مصداقية)”. وهذان العاملان يفسران نمو مجتمع عنيف.

أما بالنسبة للسوسيولوجي Sébastien Roché فأسباب الجنوح لا تنحصر فقط في العوامل الاقتصادية والاجتماعية بل إن “ارتفاع الجنوح سيكون له ارتباط بنمط الحياة الفردانية: “فالتضامنات التقليدية أصبحت أقل قوة من السابق، إن كل واحد ينظر إلى الآخر باعتباره واحدا للاستعمال.”

تنسجم النظريتان مع ما يشهده لبنان من أزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، وفي ظل ما فرضته جائحة كورونا من تغيرات في أسلوب الحياة بكافة أشكالها، وبالتالي نرى أن ظاهرة الانحراف الاجتماعي تعود بقوة الى الساحة المجتمعية اللبنانية، خاصة ان هذه الظاهرة تعتبر من الظواهر الاجتماعية السلبية البالغة الخطورة التي يصعب دراستها، وتمس فئات مختلفة من المجتمع، نظرا لما يطرأ عليها من تغيرات كمية وكيفية في وقتنا الراهن، فتفسير ظاهرة الجريمة والانحراف في ظل الواقع المأساوي الذي يعيشه اللبنانيون خاصة مع الانهيار المستمر لليرة اللبنانية مقابل الدولار، حتى وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى نحو خمسة عشر الف ليرة ما تسبب بارتفاع الاسعار والاحتكار من جهة، وفي وقوع الكثير من الاشتباكات بين المواطنين والعاملين في المراكز التجارية والمصارف والأفران ومحطات البنزين وغيرها من جهة أخرى.

كما وزادت هذه الازمة من السرقات والاستغلال والمتاجرة بأرواح الناس. وبالتالي تحول الموضوع المتعلق بظاهرة الانحراف الى نوع اخر من الموضوعات التي تحتاج الى مزيد من البحث والتمحيص والتقصي. خاصة ان الاسباب او الدوافع لارتكاب اي نوع من الجريمة او الانحراف تحول الى مزيج متراكم من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والامنية بالاضافة الى الوضع النفسي الذي سببته كل هذه المشاكل المرتبطة ببعضها البعض.

من هنا، نرى أنه لا بد من مقاربة علمية سوسيولوجية جديدة لدراسة ظاهرة الجريمة والانحراف في لبنان على أن تحظى باهتمام واسع وبالغ الأهمية من قبل المختصين في علم الاجتماع الجنائي وعلم الإجرام، وعلم النفس الاجتماعي والعائلي وباقي الاختصاصات.

لذلك يعرفها العلماء السوسيولوجيين “بأن الجريمة عبارة عن خروج عن معايير المجتمع أو قواعد الإجماع أي القواعد التي يحددها المجتمع وتحكم سلوك أفراده، وأيضا هي الأفعال التي تمثل خطرا على المجتمع لتجعل من المستحيل تحقيق التعايش والتعاون بين الأفراد الذين يؤلفون المجتمع، وهذا ما ذهب إليه “إميل دوركايم” و”بارسونز” عندما اعتبرا الجريمة سلوكا لا معياريا أي منحرفا عن المستوى المعياري في المجتمع”.

في هذا الاطار، لا بد من الاشارة أنه كان لافتاً عدد جرائم القتل التي سجّلها لبنان في السنوات القليلة الماضية، ومعظمها بدافع السرقة، في ظلّ تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد وارتفاع معدل البطالة والفقر، بالاضافة الى جائحة كورونا، وما سببه الاغلاق من مشكلات حياتية بأنواعها المختلفة كما سبقت الاشارة، كما لا ننسى انفجار مرفأ بيروت وتداعياته الشاملة..

وبحسب الشركة الدولية للمعلومات (شركة دراسات وأبحاث وإحصاءات علمية مستقلّة)، فإنّ عدد القتلى خلال الأشهر الـ11 الأولى من عام 2020 ارتفع بنسبة 93 في المائة، مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2019. كذلك، سجلت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي 193 جريمة قتل، بدءاً من شهر يناير/ كانون الثاني 2020…

كما ركز تقرير الشركة نفسها على الفترة الزمنية منذ مطلع العام الحالي 2021 وحتى اليوم، وجاءت أرقامه انعكاساً للوضع الاقتصادي السيئ الذي يعكس الانهيار التام للبنان، وأظهر “زيادة في جرائم القتل والسرقة خلال شهري يناير وفبراير 2021، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2020، استناداً إلى بيانات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، فقد ارتفعت نسبة جرائم القتل بنسبة 45.5 بالمئة، ووصل عدد القتلى في نفس الفترة 2021 إلى 32 قتيلاً مقارنة بـ22 قتيلاً في الفترة ذاتها من عام 2020، كما ارتفعت نسبة جرائم السرقة في نفس الفترة بنسبة 144 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي”.

من هذا المنطلق، لا بد من القول، أن لبنان تحول الى ساحة مفتوحة ومشرعة للانحراف والجريمة، وباتت السرقة في كل  مكان، فالشعور بالجوع والعوز والذل بات في كل بيت والفقر بات يشمل معظم اللبنانيين، بالاضافة الى النقص الحاصل في أولويات العيش بكرامة وضروريات الحياة من اجل الاستمرار، فمقاربة سرقة حليب الاطفال من الصيدليات قد تختلف عن سرقة البنوك أو منازل الاغنياء، والامر نفسه بالنسبة لسرقة الخبز والمواد الغذائية الضرورية..

بناء على كل ما تقدم، نحن في مواجهة حياة او موت، في ظل هذا الحصار الاقتصادي والمالي والسياسي، وبالتالي لا بد من مقاربات علمية مختلفة لما يحصل، وتبقى الجريمة جريمة بكل الاحوال، ولكن اسبابها قد تختلف بين يوم واخر في لبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى