رأي

الدور الغربي في الانهيار اللبناني

لبنان عربي – الدكتور غسان الخالد

إن المتابع للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، يلحظ بسهولة متناهية كيف أن هذه السياسة قد تحكم فيها عاملان اثنان فقط هما: أمن إسرائيل وموارد المنطقة.

وكذلك فإن المتابع للسياسة الأميركية في مجلس الأمن يلحظ وبسهولة مطلقة أيضاً، أن عدد الفيتوات التي استخدمتها الولايات المتحدة ضد قرارات تدين الكيان لجهة تصرفاته العنصرية كانت الأكثر ربما أن لم تكن الوحيدة. كما يمكن للمتابع أن يلحظ وبسهولة متناهية كيف أن الكيان الصهيوني هو الوحيد الذي لم يطبق قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن المتعلقة بالمنطقة، وبدعم أميركي لا متناه، منذ قرار تقسيم فلسطين المحتلة، مروراً بمشروع روجرز عام ١٩٦٩، وبداية السبعين، إلى القرارات ١٩٤(حق العودة)، و٢٤٢ و٤٢٥، المتعلقان بلبنان، وغيرها الكثير من قرارات مجلس الأمن التي لم تحترم مطلقا، فكيف بالتنفيذ؟

لقد ساعدت الولايات المتحدة الأميركية الكيان الصهيوني في عنجهيته، كما في ممارساته العنصرية ضد الشعب الفلسطيني من خلال دعمها المطلق المادي والمعنوي له. حتى أن الدول التي وقعت اتفاقات سلام مع الكيان، فإن الكيان لم يحترم مطلقا الجوانب المتعلقة به في هذه المعاهدات كما في مشروع روجرز المشار إليه، او في الاتفاقات التي تلت، كاتفاق وادي عربة مع الأردن، واتفاق أوسلو مع منظمة التحرير والذي قال فيه الرئيس حافظ الأسد أن كل بند فيه يحتاج إلى اتفاق أضف إلى ذلك، كل مباحثات السلام مع دول الطوق كما يسمونها، من جنيف إلى مدريد.

والواضح أن اسرائيل كانت تبرم اتفاقات سلام لحظوية، فقط لاظهارها بصورة الدولة المسالمة، في حين أنها كانت تستمر بسياساتها العنصرية، تجاه الفلسطنيين، كما تجاه العرب في شكل عام ودول الطوق في شكل خاص، أكان ذلك لعدم تنفيذها قرارات مجلس الأمن، ام لسياستها الاستيطانية. وهذا كان بدعم أميركي منقطع النظير، ليتبين لاحقا، وانطلاقا من سياسة الخطوة خطوة، الكسينجيرية، أن الولايات المتحدة الأميركية وحفاظا منها على أمن الكيان، تسعى إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد، عبر تقسيم المقسم، إلى دويلات طائفية أو عرقية متصارعة، فيما بينها لأسباب متعددة، لأنها تحمل في بذور نشأتها عوامل الصراع وعناصر الصراع، كما في شروطه الموضوعية.

الخطوات الأميركية
انطلاقا من الاستراتيجيات العشرة للسيطرة على الشعوب، اتبعت الولايات المتحدة الأميركية سلسلة من الخطوات تحمل في مضمونها ما يفيد إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط من خلال تقسيم الدول العربية بمشرقها وبمغربها. وللأسف فإن الشعوب العربية قد كانت تتعامل مع كل حدث في شكل انفرادي أو أفرادي، من غير النظر إلى البعد، اي إلى الهدف الذي ترمي إليه الولايات المتحدة الأميركية.

ومن هذه الخطوات يمكن ذكر البعض منها كخطوات متتالية وفق تسلسلها التاريخي كما يلي:
١-الدعم العسكري المطلق للكيان.
٢-الفيتوات الأميركية ضد قرارات إدانة الكيان الصهيوني منذ عام ١٩٤٨ وحتى تاريخه، بما في ذلك مشروع روجرز السابق ذكره، والقاضي بوقف إطلاق النار بين مصر والكيان لمدة تسعين يوما، لم تحترم دولة إسرائيل العنصرية، الجزء المتعلق بها مطلقا، وهو ما دفع مصر إلى اعتبار المشروع كأنه لم يكن.
٣-الحرب على العراق، واحتلاله، مع كل الممارسات القمعية التي مارسها الاحتلال الأميركي في العراق، بداية من ضرب حقول النخيل وما تعنيه، إلى سرقة آثاره واغتيال علمائه، والسيطرة على نفطه، كما في التحريض على قيام الدولة الكردية، على رغم أن قيامها يتعارض مع اربع دول هي العراق وسوريا وإيران وتركيا.
٤- تظهر النوايا الأميركية في التقسيم أكثر فأكثر مع زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، إلى الكيان الصهيوني وإعلانه من هناك إسرائيل دولة يهودية. فقد فتح الباب على مصراعيه كما يقال لتأييد قيام دول دينية، او عرقية في كل المنطقة العربية. ومن المفيد الإشارة هنا إلى مسألتين، الأولى ما كتبه شمعون بيريز عن الشرق الأوسط الجديد في كتابه الذي يحمل العنوان ذاته، عن تحول اسرائيل من دولة كبرى إلى دولة عظمى، والأمر الثاني ما تمخض عن إعلان إسرائيل دولة يهودية لاحقا من خلال ما سمي صفقة القرن، كما من خلال معاهدات التطبيع في الولاية الترامبية، مرورا بما سمي زيفا الربيع العربي، مع إنتاج داعش وأخواتها.

وتحت شعار نشر الديمقراطية أنتج الأميركان مصطلح الفوضى الخلاقة، وهو ما حصل في العراق أثناء الاحتلال الأميركي له، كما في جنوب السودان، وهو ما حصل أيضا في ما سمي الربيع العربي، الذي انهك دولا في صراعات أقل ما يقال فيها، انها أثارت الشعور الأقلوي، على رغم أنها كانت حروبا ذات بعد دولي. هو ما يحصل الآن في سوريا وفي اليمن.
٥- صفقة القرن
بعد سنوات من إعلان جورج بوش الابن دولة إسرائيل اليهودية، والتي ترافقت بزيارات دول الخليج، وعلى وقعها تمت رقصة السيف المشهورة فلوكلوريا في دول الخليج، وهو ما اسميته، رقصة القرن، ظهرت صفقة القرن بتفاصيلها التي تؤكد على النوايا الأميركية التي لم تكن خافية اصلا على احد، في التقسيم. من المفيد الإشارة إلى خطوات قد تكون صغيرة ربما، لكن التفاعل إيجابا ام سلبا معها، يؤكد على رد الفعل الغرائزي من جانب الدول العربية كما من جانب شعوبها. ومنها مثلا الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان، ونقل السفارة الأميركية، لتأتي صفقة القرن وتوضح أكثر فأكثر تلك النوايا غير الخافية على احد.

مما تضمنته الصفقة، توطين أهل غزة وتوسعهم جغرافياً على حساب الصحراء بعد إنشاء البنى التحتية لهذا التوسع الجغرافي، وكذلك شملت أيضا توسعا جغرافياً على حساب السعودية لجهة الأردن بعد اعتبار الفلسطينيين مواطنين أردنيين. تجدر الإشارة هنا إلى أن الفلسطينيين في الأردن يعاملون معاملة المواطنين، كما في سوريا، والمغزى ليس في التعامل، بل في إفراغ فلسطين من شعبها لصالح الدولة اليهودية، وانا هنا اقصد الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وتنوعه، مع العلم ان اسرائيل تمارس عملية الأبعاد على هذه الأطياف. ما يثير الريبة ههنا أن الأردن كدولة سوف يشطب من الوجود، على اعتبار أنه قد نشأ اصلا في ظل سايكس بيكو…
الأمر الأخطر هو ما سينتج عن صفقة القرن لجهة التهجير القسري أحياناً بفعل نشوب الحرب البينية. وهنا استذكر ما سألت عنه السفيرة الأمريكية السابقة في لبنان بعيد اندلاع الأحداث في سوريا، حيث نقلت وسائل الإعلام عن أن السفيرة الأميركية المذكورة قد سألت البطريرك الراعي عن القدرة الاستيعابية للأديرة في لبنان، وان كانت قدرتها تتسع لمليون شخص ام لا، ليستغرب البطريرك الراعي أبعاد هذا السؤال اولا، ثم يستدرك لاحقا من خلال التوضيح، أن هجرة مسيحية، من العراق وسوريا آتية ذات حين.

هل كان الأمر إبن وقته وساعتها ام له بعد تاريخي ما؟

في الحقيقة هو ذو بعد تاريخي يمتد لعقد من الزمن وتحديدا في العام ٢٠٠٤، انعقد مؤتمر في جنيف تحت شعار إيجاد وطن أو ملاذ آمن لمسيحيي الشرق. يمكن للقارئ العودة إلى ما كتبته مجلة المحرر الصادرة في تشرين الأول من العام ذاته ويحمل العدد الرقم ٤٦٩،حيث بحث المؤتمرون من خلال حلقات، وبحضور دولي ممثل عن الكنائس المسيحية، إمكانية إنشاء وطن يشكل ملاذاً آمنا لمسيحيي الشرق بقرار دولي، وحماية أوروبية.

هل يمكن لنا الان ان نتفهم موقف الراعي في دعوته إلى الحياد اللبناني، كما في توجهه ومطالبته المستمرة بعقد مؤتمر دولي لدراسة الوضع اللبناني، او وباختصار شديد، هل يمكن لنا أن نعرف وتعرف على إصرار البطريرك على دعوته الدائمة لتدويل لبنان؟. وماذا يعني التدويل في هذه اللحظات الحرجة التي تمر بها المنطقة العربية بمجملها، والمترافقة مع صفقة قرن تقسيمية واضحة المعالم، كما المترافقة مع زحف غير مسبوق للتطبيع مع الكيان الصهيوني تحت هذا الشعار أو ذاك؟. أسئلة كثيرة في هذا المجال، لا تنفي عنها صفة الشك والريبة في الدعوة، خصوصا وأن وثيقة ما بدأت تنشر عن اتفاقية بين بكركي والكيان منذ أيام البطريرك  انطوان عريضة، وبغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها، فإن موارنة المركز، والذين لا ينظرون إلى مسيحيي الأطراف الا نظرة دونية، غالبا ما يتطلعون إلى ما بعد البحر…، وغالبا ما راجت نظرية الفدرلة وسيطرت على عقلهم السياسي ولا تزال.

وبالعودة إلى السياسة الأميركية في المنطقة، لا بد من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأميركية قد ترى كما أوروبا واتحادها، أن دور لبنان ووظيفته التي نشأ، في ظلها قد بدأ بالافول. ولعل انفجار المرفأ وما يجري في لبنان، هي جميعها مؤشرات على نهاية الدور ونهاية الوظيفة. فلبنان لم يعد سويسرا الشرق، ولبنان لم يعد يمارس دور الوسيط بين أوروبا والدول العربية، ومع التطبيع، تحول الكيان إلى حامل لهذا الدور وعلى حساب لبنان أيضاً. ما يجري على الساحة اللبنانية، وفي سوريا كما في بقية الدول العربية، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن الأميركان ذاهبون إلى تغيير جغرافي في المنطقة، فهل تنجح خططهم في هذا المجال؟.
لعل الجواب على السؤال يكمن في الشق الثاني من البعد الدولي للانهيار والذي لا تتحكم به الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني، بمفردهما، بل هناك محور آخر قد تكون له كلمته، على رغم أن الدول مصالح وليست جمعيات خيرية، لكن ما يحدث الآن في فلسطين المحتلة قد يكون له إبعاده المختلفة عن الرؤية الأميركية للمنطقة العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى