رأي

الوجه المشرق لغياب الحريري

لبنان عربي – أوّاب المصري

لم يعد إعلان سعد الحريري خروجه من اللعبة السياسية حدثاً يحتمل التعليق، بعد الكمّ الهائل من التعليقات والتحليلات والقراءات التي امتلأت بها شاشات التلفزة والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي. فللرجل ظروفه وأسبابه التي دفعته لاتخاذ هذا الخيار بغضّ النظر عن صواب قراره أو خطئه. ربما بإمكان أهله ومحبّيه ومناصريه مواصلة الحزن عليه والترحّم على الأيّام التي كان فيها الحريري أبرز أركان السلطة، ورئيس أكبر كتلة نيابية، وكان “يدبح بظفره”. اليوم ما يجب أن يهمّ اللبنانيين، المسلمون السنة منهم على وجه التحديد هو ما ستؤول إليه الطائفة التي كان الحريري الابن وقبله الأب زعيماً متفرّداً لها على مدى ثلاثة عقود.

صحيح أن سعد الحريري طوال عقد ونصف كان ممثلاً للمسلمين السنّة في لبنان، لكنه كان فعلياً يمثل مشروعاً سياسياً واقتصادياً لا علاقة له بالطائفة وأبنائها. فالقاعدة الواسعة من المسلمين السنّة الذين ينتمون للطبقة الوسطى والفقيرة الذين جعلوا من الحريري زعيماً كبيراً، كان الشيخ سعد يتذكرهم في الحملات الانتخابية، يحطّ رحاله عندهم في طرابلس وعكار والضنية، والبقاعين الغربي والأوسط، وإقليم الخروب وصيدا وقرى العرقوب، ولا يعود إليهم إلا في الانتخابات التي تليها.

أياً كان موقفنا من الرجل، فإن غيابه سيترك المسلمين السنّة في فراغ كبير، خاصة أنه كان طوال أكثر من 15 سنة يرفض أي مسعى لمشاركته في تمثيل الطائفة. ويذكر اللبنانيون أن المرة الوحيدة التي ضرب الحريري “رجله في الأرض” ورفض التنازل والمساومة -على غير عادته- كانت حين أراد حزب الله إعطاء حقيبة في الحكومة من حصة السنّة لأحد المحسوبين عليه. يومها، “حرد” الحريري وعطّل تشكيل الحكومة، حتى تراجع الحزب عن مسعاه. لذلك، وبعد قرار الحريري بالرحيل، وابتعاد جماعته عن العمل السياسي، فإن فراغاً كبيراً سيحدث في تمثيل المسلمين السنّة. لكن بخلاف المتوقّع، فإن أكثر المتضررين من هذا الفراغ ليسوا المسلمين السنّة. فغياب الحريري عن أهله وناسه وقاعدته الشعبية، نهج دأب عليه الحريري في محطات كثيرة، واعتاد عليه محبّوه ومناصروه. يحرد فيحزم حقائبه ويغادر على متن طائرته الخاصة يدير شركاته المفلسة، تاركاً جماهير تقطع الطرقات وتحرق الإطارات وتصرخ وتصفّق من أجله. الذين سيعانون من الفراغ الذي تركه الحريري هي القوى والأحزاب والطوائف الأخرى، التي ارتاحت في التعامل مع شخصية تسووية براغماتية كسعد الحريري. فاليوم لا أحد يمكنه التكهّن بما سيكون عليه تمثيل المسلمين السنّة في المرحلة المقبلة، ومن هي الزعامات التي ستفرزها الانتخابات النيابية، ومن هي القوى والأحزاب التي ستملأ الفراغ الشعبي الذي تركه الحريري. ولهذا الفراغ جانب خطر يجب الحذر منه، فالطائفة ستكون مرتعاً لمن يشاء أن يعبث بأبنائها، فستواصل الأجهزة الأمنية اللبنانية استغلالها وتوريطها كلما شاءت، كما ستسعى لاختراقها الأحزاب الأخرى وكذلك أجهزة مخابرات خارجية وربما تنظيمات إرهابية لتوريطها حين تشاء، وافتعال مواجهات مع آخرين لتحقيق مصالحها، مستغلّين الفقر والعوز واليأس والإحباط الذي يعيشه اللبنانيون عامة والمسلمون خاصة.

ابتعاد سعد الحريري ليس سلبياً بالمطلق، فهناك جانب إيجابي يجب أن يستفيد منه من يعنيهم الأمر. فلطالما كان البعض يشكو احتكار الحريري تمثيل السنّة مستنداً لغطاء دولي ودعم عربي. اليوم الحريري بات خارج الصورة، والسند والغطاء والدعم لم يعد موجوداً، وبات بإمكان من يعتبر نفسه مهمّشاً ومحيّداً ومظلوماً أن يبرهن عن حيثيته، وأن يؤكد حضوره وتمثيل ناسه في الانتخابات المقبلة، وهي فرصة قد لا تتكرر في بلد مثل لبنان، حيث الزعامات والأحزاب تتكالب لاحتكار تمثيل طوائفها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى