رأي

بهاء وسعد… الكراهية لا تصنع زعامة

لبنان عربي – جواد العلي

 

لم يكد الرئيس سعد الحريري ينشر على حسابه على موقع التويتر خبر اعتذاره عن تشكيل الحكومة، تحت وسم “الله يعين البلد”، حتى رد عليه شقيقه الأكبر بهاء، بتغريدة قاسية، حمّله فيها المسؤولية عما وصلت اليه البلاد بشكل مباشر، حيث قال: “الله يعين البلد على من أوصله إلى ما وصل اليه بسبب التسويات والمحاصصات والتنازلات التي جعلت أكبر أحلام المواطن اللبناني تأمين الدواء والغذاء لأطفاله بينما ينعم من في السلطة بكل الخدمات” .

لعل هذه التغريدة تختصر مسيرة بهاء الحريري السياسية القصيرة. فمنذ دخوله هذا العالم الشائك عقب اندلاع انتفاضة 17 تشرين، كان هدفه استعادة كرسي الزعامة الذي يعتبر أن سعد سلبها منه. ولتحقيق هذه الغاية، لم يتورع بهاء عن استخدام كل الوسائل المتاحة، المشروعة وغير المشروعة، لتسديد لكمات متلاحقة الى شقيقه، من أجل تحطيمه واسقاطه بالضربة القاضية، غير آبه بتأثير ذلك على صورة والده وذكراه.

أول هذه الوسائل، كان استخدام وئام وهاب للتسويق له ولتعبيد طريقه السياسي. لم يجد بِكْرُ رفيق الحريري سوى وهاب، الذي بنى رصيده السياسي على شتم رفيق الحريري، والتهجم عليه في حياته، وبعد استشهاده وصولاً الى يومنا هذا. ولا يزال في الذاكرة مقطع الفيديو الشهير الذي تطاول فيه وهاب على رفيق الحريري في أواخر العام 2018، واتهمه بأنه قواد… وبأنه سرق المال من جيوب المواطنين، مظهراً كماً هائلاً من التشفي والشماتة بطريقة اغتياله!!

انتقل بعدها بهاء الى استخدام منتديات نبيل الحلبي لافتعال المشاكل في الشوارع، وبالأخص أمام ضريح والده الشهيد في مشهد مخجل، ثم هجرها قاطعاً عنها المال بعد أن أساءت الى صورته وصورة والده.

بعد ذلك، قرر بهاء سلوك درب الزعامة حسب الأصول اللبنانية، فانتقل الى عالم الإعلام، مصنع الزعامة والزعماء في لبنان. فعمد الى رفد “صوت بيروت انترناسيونال” التي يملكها بخيرة الإعلاميين، مستغلاً الأزمة الاقتصادية والنقدية، وحاجة هؤلاء الى تعزيز دخلهم الذي فقد قيمته، من أجل التسويق لمشروعه السياسي الذي لا يزال أسير عالم الغيب، وغير معروف كُنهه وماهيته، على الرغم من أنه أعطى وعوداً بالكشف عنه أول السنة الجارية.

لا يحتاج المرء الى الكثير من الجهد لادراك أن الهدف من المنصة، هو التهجم على شقيقه والنيل منه. كل ما فعله أنه غير التكتيك الهجومي، من استخدام الشارع الى استخدام النخب الإعلامية. فتحولت المحطة الى منصة صواريخ موجهة ضد سعد، صواريخ مفعمة بالعداء للحريرية ولكل ما يمت اليها بصلة. فعدا عن وئام وهاب الضيف شبه الثابت في المحطة، هناك سالم زهران، وجوزيف أبو فاضل، وثلة أخرى من النماذج الشبيهة والتي تصنف في خانة المحللين السياسيين!

أما الكارثة الكبرى فكانت في استضافة محطة “صوت بيروت انترناسيونال” لمالكها بهاء رفيق الحريري، النائب جميل السيد!!

نعم، فتحت المنصة أبوابها لاحتضان جميل السيد، في لقاء اعلامي مطول، مع الرجل الذي إذا ذكر اسم رفيق الحريري أمامه يرتعد غضباً، ويفقد السيطرة على نفسه، ويرغد ويزبد بأقسى العبارات، وهو الذي يحمل الحريري الأب مسؤولية كل ما تعاني منه البلاد بشعبها ومؤسساتها ومدارسها وجامعاتها وحتى نقاباتها، فالفساد عنده يعني رفيق الحريري ولا شيء آخر، وهو صاحب المقولة الشهيرة بأن الهمروجة على اغتياله لن تستمر أكثر من ثلاثة أيام، والتي قالها بعد سويعات من وقوع جريمة العصر.

رب قائل أن جميل السيد هو نائب في البرلمان وله حيثيته الشعبية والتمثيلية، ولذلك استضافته المحطة. هذه الذريعة تعد ساقطة وواهية. فجميل السيد لم يصل الى البرلمان الا بأصوات حزب الله، وهو يعلم أكثر من غيره أنه لولا حزب الله، لما استطاع الفوز في انتخابات النادي الرياضي في قريته. وإذا كان معيار الحيثية التمثيلية دافعاً لاستضافة جميل السيد، فلماذا الاعتراض على تواصل سعد الحريري مع حزب الله، صاحب الكتلة التصويتية الأكبر على الأراضي اللبنانية. ثم تخيلوا معي أن قناة المستقبل، التي أضحت من ذكريات الماضي الجميل، تستضيف جميل السيد، ترى ما هي ردة الفعل التي كانت ستحصل وقتها سياسياً وسنياً وشعبياً؟

المفارقة أن استضافة “صوت بيروت” لجميل السيد، لم تحرك حميّة أنصار المستقبل من جماعة سعد، الذين يبدو أنه يتم تحريكهم عبر “الريموت كونترول”، لذا مرت المقابلة برداً وسلاماً ودون أي ردة فعل تذكر.

بالمحصلة يبدو أن بهاء الحريري ليس لديه خصم سوى سعد فقط، ولذلك لا يجد حرجاً من فتح قنوات اتصال مع جميع خصوم شقيقه، مهما كان موقفهم من والده. بيد أن الأمر تعدى مرحلة التنافس على عرش متهاوي، حيث بدأت علائم الكراهية والانتقام والحقد الدفين تطفو رويداً رويداً على السطح، لا سيما مع الأنباء التي تتحدث عن ترشح بهاء في وجه أخيه في الانتخابات المقبلة، وتشكيل لوائح منافسة لمرشحي المستقبل حصراً، بدأ التداول منذ مدة في أسماء بعض أعضائها، وجلهم من النجوم الإعلامية الزاهرة في سماء “صوت بيروت”، ولكم أن تتخيلوا كيف سيكون شكل المنازلة الانتخابية بين لوائح أولاد الحريري!

بالطبع من حق بهاء أن يكون لديه طموح سياسي يسعى لتحقيقه، كما من حقه الترشح لأي منصب تخوله قدراته الوصول اليه. لكن من يضع اسم أبيه العملاق مع اسمه في كل شيء، بما فيها حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن يقول عن نفسه أنه يريد إكمال مشروع رفيق الحريري، كما صرح لموقع الحرة في شهر كانون الأول من العام الماضي عندما قال بالحرف: “أحمل مسؤولية إتمام مشروع رفيق الحريري، إذ تم اغتياله قبل أن يكمل برنامجه للبنان ولجعله من أهم دول الشرق الأوسط حيث يلتقي فيه كل الأخوة العرب إضافة إلى السياح الأجانب”، ويكرر ذلك في كل إطلالة إعلامية، حتماً لا يستطيع بلوغ هذه الغاية النبيلة، وهذا الهدف السامي، عبر استخدام أمثال وئام وهاب وجميل السيد، ولا يقيم اتصالات من تحت الطاولة مع جبران باسيل ومن على شاكلتهم من أشخاص مجبولين بكراهية رفيق الحريري ومشروعه وإرثه.

أشخاص لم يتركوا مذمّة إلا وألصقوها برفيق الحريري وبمشروعه، من العمالة الى السرقة وصولاً الى الشرف. هؤلاء جميعاً لو أُتيحَت لهم الفرصة، لانقضوا على عظام رفيق الحريري وانتقموا منها شر انتقام. كما يستحيل إصلاح علاقات لبنان مع المملكة العربية السعودية، مع مجموعة من أهم وأشهر الشتامين للمملكة في لبنان.

مع هؤلاء يستحيل إكمال مشروع رفيق الحريري، أو أي مشروع آخر، أو حتى تحقيق إنجاز واحد، أكثر ما يبرع فيه هؤلاء هو الانتقام المشبع بروح الكراهية، ولأجل هذه الصفات الأثيرة يبدو أن بهاء يقترب منهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى