رأي

تناقضات الأمين على هامش الخطاب

لبنان عربي – طلال الدهيبي

تعد إطلالة السيد حسن نصر الله الأخيرة، يوم الخميس الماضي، هي الأولى له منذ زمن بعيد التي يتطرق فيها الى الشأن اللبناني بمثل هذا القدر من التفصيل، وبهدوء قل نظيره.
وعلى الرغم من حالة الإحتقان الشعبي الهائل، بالإضافة الى كمية الرسائل السياسية الهائلة التي وجهها أمين عام حزب الله في مختلف الاتجاهات، الا أن الانفعالية التي كانت تؤخذ عليه، لم تحضر سوى لبُرهة قصيرة اعتذر عنها في نهاية كلمته.
هناك عدة نقاط في خطاب السيد نصر الله إستحوذت على إهتمام سياسي وجماهيري، كان أهمها مطالبته الرئيس المكلف بحكومة فيها تمثيل سياسي، وتعديل الدستور للخروج من أزمة التعطيل التي تتكرر عند كل استحقاق سياسي، و”توبيخ” حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بسبب تدهور سعر صرف العملة.
لكن وعلى هامش الخطاب، هناك أربع نقاط تطرق إليها السيد نصر الله، لم تأخذ حيزاً من الاهتمام بالمقارنة مع إعادة خلط أوراق تشكيل الحكومة، وتعديل الدستور وهي:
أولاً: تحدث السيد نصر الله عن وثائق وتسجيلات ظهرت في الآونة الاخيرة، تكشف التورط الأميركي في تجنيد قياديين في جماعات إرهابية، وعن دور المخابرات الأميركية في تشكيل الجماعات الارهابية وتسليحها وتمويلها وإدارتها من أجل تدمير الشعوب والمجتمعات، ليخلُص الى أن هذه الجماعات ليست اسلامية، وأنها درة التاج في المشروع الاميركي في المنطقة.
 ومادام الأمر هكذا، لماذا لا يزال حزب الله يصرُّ على وصم طائفة كاملة بأنها بيئة حاضنة ومفرخة للإرهاب التكفيري؟ لماذا لا تزال أدبيات منابر الحزب الاعلامية وروادها (وما أكثرهم) يصرّون على جعل كلمة الارهاب مرادفة لكل سني خاصة المتدينين؟
ثانياً: يقول السيد نصر الله أن حزب الله ليس في وارد اللجوء الى السلاح من أجل تشكيل حكومة، أو من أجل حلِّ وضع إقتصادي، أو إصلاح الدولة، وهو موقف هام وفي توقيت دقيق.
وفي مكان آخر يتحدث السيد نصر الله عن الحرب الأهلية، وأن الحزب ليس الطرف الوحيد الذي يمتلك السلاح، كما أن الحرب الأهلية لا تحتاج الى صواريخ دقيقة وما شابه من أسلحة الحزب النوعية، بل أسلحة فردية تتوافر بكثرة لدى غالبية اللبنانيين، وهو أمر صحيح حتماً. لكن هناك فرق كبير بين حزب منظم يمتلك تشكيلات عسكرية مدربة، ومنظومة إستخباراتية نوعية، وشبكات إتصالات متطورة، وخبرة ميدانية مكنته من مقارعة جيش العدو الإسرائيلي والتفوق عليه، وبين زمرٍ من قبضايات الشوارع كل ما تستطيع فعله هو التسلط على بعض المواطنين الآمنين، وعرض عضلاتها أمام أجهزة الدولة، محتميةً بنفوذ سياسي.
فلا مجال ابداً للمقارنة بين حزب الله ومثل هذه الجماعات مهما علا شأنها، حيث تميل كفة الميزان العسكري بقوة ووضوح لصالح الحزب مقابل هذه الجماعات قاطبة.
ثالثاً: قال السيد نصر الله في موضوع قطع الطرقات “وصلت معي لهون”، وهو تعبير لبناني شائع يستخدم للإشارة الى بلوغ الشخص قمة الغضب، وفي لحظة إنفعالية واحدة أفلتت منه، هدد في حال إستمرار قطع الطرقات، وتقاعس الجيش وقوى الأمن عن فتحها، قد يضطر حزب الله الى سلوك “خيارات من خارج مؤسسات الدولة لا سمح الله”، فما هي تلك الخيارات؟ ألا يعد ما قاله تهديداً بإستخدام قوة الحزب العسكرية من أجل فتح طرقات يقفلها بضعة أشخاص؟!!
كان خطاب طويلا تجاوز الساعة من الوقت، كرر فيه في أكثر من مكان عدم اللجوء الى السلاح، لكن زلة غضب واحدة، كانت كفيلة بنسف كل الخطاب والتطمينات والوعود بعدم إستخدام السلاح.
وهنا تجدر الإشارة الى أن نص كلمة نصر الله الذي نشرته وسائل إعلام الحزب الرسمية، كان خالياً من تعبير “وصلت معي لهون”، وكذلك من التهديد باللجوء الى خيارات خارج مؤسسات الدولة.
رابعاً: ضيق صدر السيد نصر الله أمام الإنتقادات التي توجه له ولحزب الله خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهو ما يؤكد صحة التقرير الإستخباراتي الإسرائيلي الذي صدر مؤخراً وتحدث عن عدم تقبل السيد للإنتقادات، وهو ما ينطبق بالمناسبة على كل الزعماء والسياسيين الذين لا ينفكون عن تكرار كلمة الحريات في خطبهم.
وعلى الرغم من أنه تحدث بهدوء وبابتسامة عن بعض الانتقادات، الا أن ذلك لا يمكنه أن يحجب عدم ترحيبه بأي نقد من أي نوع كان، كما أنه يُظهر متابعة السيد نصر الله الدقيقة لتفاعلات الجماهير على وسائل التواصل الإجتماعي.
وهنا يجب الإشارة الى أن اللبنانيين لم يتحاملوا على حزب الله في موضوع حصول عناصره ومحازبيه على رواتب “دولارية”، بل أن هؤلاء هم من تبارزوا في وضع صور على حساباتهم تظهر الدولارات التي حصلوا عليها من الحزب، وكان ذلك عقب كلمة للأمين العام قال فيها بأن الحزب يمتلك دولارات كافية لمنع وصول الأزمة الإقتصادية والنقدية الى أبناء بيئته!
الأمر الذي طبع في أذهان اللبنانيين صورة عن تمتع أبناء بيئة حزب الله بالرخاء في عز الأزمة، حيث يبدو أن قيادة الحزب قد تنبهت متأخرة الى تأثير تلك الصور، وعمدت الى “ضبضبة” المناصرين، لكن الآثار التي خلفتها تلك الصور يصعب محوها بسرعة مثلما يتم إزالة منشور على حائط فيسبوكي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى