رأي

“جمهورية شمال لبنان”: ثرثرة فوق عذابات أهل الشمال

لبنان عربي – سامر زريق

يصر “ألفرد رياشي”، الأمين العام للمؤتمر الدائم للفيدرالية، في اطلالاته الإعلامية المكثفة في الأسبوعين الأخيرين، على وجود مساعٍ حثيثة وجدية لتقسيم لبنان، وإنشاء جمهوريات مستقلة على أنقاضه.

الخطر الداهم، حسبما يقول “رياشي”، يأتي من الشمال، حيث تستعد بعض المجموعات المرتبطة بتركيا وسوريا لإعلان “جمهورية شمال لبنان”!!!.

من أكثر الأمور التي تشد الانتباه في كلام “رياشي”، هو كمية الثقة المفرطة التي يتحدث بها، وكأن الموضع قد حسم، وأن هذا المخطط واقع لا محالة، “يا منلحق يا ما منلحق” على الطريقة اللبنانية.

ولا أحد يعلم هوية المصادر التي استقى منها رياشي معلوماته، ولا على ماذا استند في استنتاجاته التي أوصلته الى هذه الخلاصة الغريبة.

فلا يوجد في طرابلس أحزاب أو قيادات أو شخصيات أو نخب تطالب بانفصال المدينة، كما لم تشهد التحركات الاحتجاجية الشعبية رفع أي مطلب من هذا القبيل.

وتعبير الانفصال بحد ذاته لم يرد يوماً في القاموس السياسي للمدينة منذ الاستقلال، وحتى في عزّ الحرب الأهلية، وقتما كانت الميليشيات تسرح وتمرح في طرابلس، أقصى ما تم الذهاب اليه في ذلك الحين، هو نوع من الحكم الذاتي، في محاكاة لنموذج كان منتشراً في أكثر من منطقة ومدينة في لبنان.

ربما تكون أعمال الشغب التي تشهدها شوارع المدينة بين الحين والآخر، والتي ازدادت حدتها كثيراً في الآونة الأخيرة، هي الدافع لمثل هذا التفكير، لكن هذه الأعمال والتحركات ليست غريبة عن مدينة طرابلس، ولا تخرج عن الاطار المرسوم للمدينة وجوراها منذ عقود.

هذا العنف الذي بات ارثاً يلتصق باسم المدينة، ويشكل مرادفاً للفقر الذي تكتوي بناره أغلب عائلاتها، لا يمكن اعتباره مظهراً انفصالياً أو علامة على قروب حدوثه. فمن يقوم بهذه الأعمال هم مجموعات مبعثرة وغير منظمة، ولا يمكن التعويل عليها مطلقاً لتنفيذ فكرة بمثل هذه الضخامة والتأثير، جل ما تستطيع فعله هو قطع الطرقات، أو اقتحام متجر من هنا، أو مؤسسة من هناك.

أما كلام رياشي عن إرسال تركيا وحدات عسكرية الى الجمهورية المزعومة، فهو كلام مبالغ فيه للغاية، ومبني على روايات وسرديات يتداخل فيها البعد العاطفي بالسياسي، والواقعي بالخيالات.

فقد كثرت في السنوات الأخيرة الأنباء والحبكات الدرامية، التي تتحدث عن الدور التركي في شمال لبنان. هذا الدور المزعوم والمتخيل ليس له ما يؤيده على أرض الواقع، سوى حالة التأييد العارمة في الشارع السني لتركيا ولرئيسها “رجب طيب اردوغان”، وهو أمر غير قاصر على لبنان أو شماله فقط، بل هي حالة وجدانية نجد مثيلاً لها في كل البلدان العربية والاسلامية، وفي جميع الأحوال لا يمكن أن تكون تهمة أو سبباً للانفصال عن الدولة.

أضف الى ذلك، أن جميع الروايات والشائعات عن دور تركيا، إنما الهدف منها هو استدرار عطف دول الخليج العربي، وفي طليعتها السعودية، في ظل الخصومة السياسية بينها وبين تركيا.

ألفرد رياشي

وجديد رياشي في هذا الاطار، هو وجود مفاوضات بين تركيا وسوريا موضوعها اجراء مقايضة بينهما، تعود مدينة ادلب بموجبها الى كنف النطام السوري، بينما تحصل تركيا على المنطقة الممتدة من طرابلس حتى عكار!

قد يكون كلام رياشي حول المفاوضات فيه شيء من الصحة، لكنه ذهب الى نتيجة معكوسة، فهناك تقارير إعلامية تتحدث عن رغبة سوريا في اجراء مقايضة مع تركيا، تتخلى فيها الأولى عن محافظة ادلب الى تركيا، فتتخلص بذلك من حمل ثقيل عليها، سيما بعدما تحولت ادلب الى ملاذ لكل الهاربين من جحيم نظام الأسد.

وفي المقابل، يريد النظام السوري الحصول على نفوذ سياسي في شمال لبنان، كجائزة ترضية مقابل تخليه عن ادلب، في تكرار لما فعله النظام في السابق، عندما تخلى عن الجولان لاسرائيل، مقابل بسط نفوذه السياسي والعسكري على لبنان.

وفي هذا الصدد، يجري الحديث في الآونة الأخيرة، عن رغبة روسيا في مد نفوذها الى لبنان، بحيث يتم تقاسم مناطق النفوذ بينها وبين وأميركا، على أن يكون شمال لبنان من حصة روسيا.

بيد أن كل ما ذكر لا يزال حتى الآن مجرد أفكار. كما أن بسط النفوذ السياسي لا يعني الانفصال عن الدولة، فلبنان كان على الدوام ساحة مشرعة لكل نفوذ، وملعباً تتنافس فيه العديد من الدول.

ولو أن كل دولة أوجدت لنفسها حيزاً من النفوذ، في منطقة ما من لبنان، عمدت الى تحويل هذه المنطقة الى جمهورية مستقلة، لتحول لبنان الى فسيفساء من الجمهوريات المستقلة، بعضها لا يتجاوز بضعة شوارع.

لذا لا يعدو كلام السيد “ألفرد رياشي” عن “جمهورية شمال لبنان” أكثر من كونه مجرد ثرثرة فوق عذابات أهل شمال لبنان، ثرثرة لا طائل من ورائها سوى إثارة مخاوف جديدة لدى اللبنانيين، وتحديداً المسيحيين، بغية دفعهم الى القبول بمشروعه الأثير: “دولة لبنان الفيدرالي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى