رأي

خمس سنوات على انتصار الديمقراطية على السلاح في تركيا

لبنان عربي – سامر زريق

  اشتُهرت تركيا عبر التاريخ، بكثرة الانقلابات العسكرية، سواء في العهد العثماني، أم في عصر الجمهورية، وكان يوم الجمعة في 15 تموز 2016 آخر الانقلابات في العصر الحالي.

في ذاك اليوم، سطّر الشعب التركي ملحمة بطولية سيفتح لها التاريخ أوسع أبوابه. يوم لن يمحى  من ذاكرة الأتراك، ولا من ذاكرة الغالبية العظمى من شعوب المنطقة، يوم أعطى فيه الشعب التركي، على اختلاف أعراقه وأطيافه وتوجهاته السياسية، درساً ليس للانقلابيين وحدهم، بل لكل العالم، في كيفية حماية قيم “الديموقراطية” و”حرية الرأي”.

فبعد أن انتشرت القوات الانقلابية في النقاط الرئيسية والحيوية، في العاصمة “أنقرة”، كما في مدينة “اسطنبول”، وسيطرت على قيادة الأركان والقواعد الجوية، ظن قادة الانقلاب أنهم نجحوا في تحقيق مرادهم، وأن مقاليد الحكم في البلاد باتت تحت أيديهم، فأصدروا البيان رقم “واحد”.

لكن، لم يدُرْ في خلد قادة الانقلاب والمخططين له أن الشعب التركي سيهبُّ بأسره، ويقف وقفة رجل واحد أمام العسكر الانقلابي في رد فعل مذهل. فقد امتلأت الشوارع بالجماهير من كل حدب وصوب، من كل الأعمار والأجناس.

أنصار حزب “الشعب الجهوري” شبكوا أيديهم بأيدي أنصار حزب “العدالة والتنمية” وأنصار حزب “الحركة القومية” وساروا جنباً الى جنب مع عشرات الأتراك من الذين لا يشاركون أساساً في العملية الانتخابية، وافترشوا الاسفلت، صانعين من أجسادهم حواجز بشرية، لمنع الدبابات والآليات العسكرية من متابعة طريقها.

النساء أيضاً كنَّ في مقدمة الحشود، المرأة المحجبة الى جانب المرأة السافرة، جميعهن يهتفن ضد الانقلاب ويقرّعن الجنود والضباط، في جرأة قلَّ نظيرها، ونحن نعلم مدى رمزية الحجاب، والمعارك السياسية التي خيضت بسببه ومن أجله، والجدل الذي يُثار حول هذه القضية بالذات بين الملتزمين والعلمانيين. تناسى الجميع  خلافاتهم العقائدية والسياسية من أجل الحفاظ على الديموقراطية.

ولم تكن الحشود قاصرة على المدن والحواضر الرئيسية، ففلاحو أرياف الأناضول كان لهم دورهم وحضورهم المؤثر، والذي تجلى بإقدام بعضهم على حرق محاصيله الزراعية بيديه، من أجل حجب الرؤية عن الطيارين ومنعهم من القصف.

عشرات الألوف من الأتراك الذين خلعوا رداء الخوف وتركوه في المنزل، ملؤوا الشوارع والساحات، غير عابئين بفوهات البنادق والدبابات، ولا متأثرين بأزيز الطائرات الحربية التي كانت تجوب سماء تركيا. هؤلاء لم يدافعوا عن “رجب طيب اردوغان”، بل عن الشرعية التي يمثلها، ولم يدافعوا عن حزب “العدالة والتنمية”، بل عن الديموقراطية، عن حرية الرأي، عن حقهم في اختيار من يتولى مقاعد الحكم في تركيا.

الالاف ممن لم ينتخبوا “العدالة والتنمية” كانوا في طليعة من تصدوا بصدور عارية للعسكر الانقلابي. لسان حال واحدهم يقول “أنا الذي اختار، نعم قد لا يصل من أصوت له الى الحكم، لكن الكلمة تبقى للصندوق، وصوتي وصوت كل تركي هو الفيصل، ولن أسمح لأحد بأن يختار عني ويفرض خياره بقوة السلاح على الشعب التركي”.

وتزداد أهمية ما قام به الأتراك بالنظر الى المكانة العميقة التي يحتلها الجيش التركي في قلوبهم وعقولهم. يكفي أن نذكر أن الشاب التركي يُزفُّ كالعريس وهو ذاهب الى الخدمة الالزامية، كي نعلم مدى عِظَم المكانة التي يتمتع بها الجيش. لكن ذلك لم يمنع الأتراك من التصدي للانقلابيين، رغم أنهم من أبناء القوات المسلحة.

أمور كثيرة حصلت في تلك الليلة تنم عن مدى وعي الشعب التركي وحبه لدولته. فالدولة للأتراك وليست لهذا السياسي أو ذاك، أو لهذا الحزب اليميني أو ذاك الحزب الاسلامي. والجيش أيضا هو جيش الشعب التركي، وليس ملكاً لحفنة من الضباط مهما علا شأنهم وكَثُرت نجومهم، يتصرفون به كيفما يشاؤون ويرغبون من أجل تحقيق أهداف شخصية.

بالطبع استغل حزب “العدالة والتنمية” الحاكم ورئيسه رجب طيب اردوغان فشل الانقلاب لتحقيق أهداف سياسية، وهذا حقهم، وأي حزب مكانهم كان سيفعل نفس ما فعلوه ربما أكثر بكثير. كما أنه لو نجح الانقلاب لكان اردوغان قد أصبح في عداد الموتى، ولسُجِن معظم أركان “العدالة والتنمية”. بيد أنه في تلك الليلة تحديداً لم ينتصر اردوغان أو حزبه، إنما من انتصر هو الشعب التركي.

حفلت تلك الليلة بالكثير من الرسائل والعبر، أهمها أن الدفاع عن قيم الديموقراطية وحق الشعب في اختيار ممثليه يسمو فوق كل الاعتبارات والاختلافات السياسية والشخصية.

يوماً ما سيرحل الرئيس التركي “رجب طيب اردوغان”، وقد تتفكك الأحزاب السياسية الموجودة حالياً وتضحمل، ويأتي مكانها أحزاب جديدة.

ما سيبقى، هذا التاريخ 15 تموز 2016 يوم انتصار الديموقراطية على السلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى