رأي

رهان عون الكبير… استنزاف الشارع لتطيير الطائف

لبنان عربي- سامر زريق

عبثاً يحاول الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، فلا يكاد يُنهي حل عقدة، حتى يُبرِز له رئيس الجمهورية عقدة أخرى.

كل المعلومات والتسريبات المتفائلة لا تعدو سوى أماني وأضغاث أحلام، أكثر من كونها حقيقة تعبر عن سير عملية التفاوض الشائكة والمنهكة.

وكل الطرق تؤدي الى مكان واحد، رئيس الجمهورية ميشال عون لا يريد تشكيل حكومة، أياً كان اسم رئيسها، هدفه أبعد من الحكومة وأكبر منها.

آخر الابتكارات الرئاسية، هو الاعتراض على الاسم المقترح لوزارة المالية، وهو مدير العمليات في مصرف لبنان يوسف خليل، بحجة أنه ممثل لرياض سلامة، وعون لا يريد سلامة، ويحمله مسؤولية الأزمة الاقتصادية والنقدية برمتها، علماً أنه وافق مرتين على التمديد لسلامة في حاكمية مصرف لبنان، وعقد معه الصفقة تلو الصفقة من أجل ابقاء الدعم، وضخ الدولارات في السوق العطشى لها.

وفي نفس السياق، يبرز تمسك عون المستجد بوزارة الشؤون الإجتماعية، مما يضيف الى العقد الحكومية، عقدة جديدة ومزدوجة. فعون يريد هذه الحقيبة، التي كان الجميع يرفضها سابقاً، لتحويلها مكتباً انتخابياً برتقالياً، بسبب كونها الوزارة المعنية بالمساعدات الدولية، وملايين الدولارات التي ستتحكم بإدارتها وتوزيعها، ومن جهة ثانية، يرغب عون في افتعال اشكال مع وليد جنبلاط الذي يطالب هو الآخر بها، لتحميله مسؤولية التعطيل الحكومي.

ويرى كثر من المتابعين، ان المعطيات التي رشحت عن اجتماع ميقاتي بعون بالأمس في بعبدا، وفحواها ان الاخير قبل ان تسند الشؤون الاجتماعية الى التقدمي الاشتراكي، ليست نهائية، على اعتبار ان عون من الممكن ان يعود عنها متى رأى ان ظروف التأليف تذهب بغير المسار الذي يريده.

هذا ما أثبتته التجارب السابقة وما ستثبته التجارب اللاحقة، فالرجل غير راغب في تشكيل الحكومة. حتى لو قام الرئيس المكلف، ومن خلفه القوى الداعمة والمؤيدة له، بمنح عون كل ما يريده، فسيجترح مشكلة جديدة لعرقلة التشكيل.

لا يتأثر عون مطلقاً بما يحدث بين المواطنين في أكثر من مدينة، من شمال لبنان الى جنوبه، ولا يقيم وزناً لسيل الدماء النازفة كل يوم بسبب المحروقات أو ما شابه، بل على العكس تماماً، يتمنى في سره لو تتصاعد حدة الاشكالات، ويتدفق الدم بغزارة أكثر، محولاً الشوارع الى ساحات حرب شعبية، فانفجار الوضع وانسداد أفق الحل السياسي، يقرباه من هدفه الأثير، الا وهو تغيير النظام، وطي صفة اتفاق الطائف الى الأبد.

يراهن عون بكلّيته على أن هذا ما سيحدث في نهاية المطاف، فعندما تنعدم الحلول من داخل النظام، لا بد من البحث عن نظام سياسي جديد، يعبر عن ميزان القوى السياسية المحلية وأظهرتها الإقليمية. لذلك هو لا يريد حكومة، مهما كان شكلها ولونها، ويعمل على تطيير الانتخابات النيابية، مما يمنحه السند الطائفي الذي يستطيع الاتكاء عليه للبقاء في قصر بعبدا، عندها نكون أمام نظام سياسي “مكربج”، ومؤسسات مفككة، ودولة متحللة، ولا بد ساعتئذ من طاولة مفاوضات مستديرة برعاية واشراف دولي، طاولة يكون أحد أضلاعها الصهر العزيز جبران باسيل. ومجرد انقعاد مثل هذه الطاولة، يعني أن هناك نظام سياسي جديد، يأمل عون ومعه صهره ورهطهما أن يعيد للمسيحين ما خسروه في اتفاق الطائف، وربما أكثر.

على مدى مسيرته السياسية، كان عون ملك الرهانات الخاطئة، فأورد قومه الخسائر الفادحة، وكذلك يفعل اليوم. في المرة الأولى، أنهى عون الجمهورية الأولى، “جمهورية المسيحيين” لصالح اتفاق الطائف، وفي المرة الثانية يعمل على انهاء “الجمهورية التشاركية” ، إنما لصالح من؟ هو يظن لنفسه ولقومه، لكن الواقع يقول أنه لصالح من دعمه ولا يزال في منهجه التدميري، ولذلك عطل الحياة السياسية في لبنان كي يأتي به رئيساً للجمهورية.

أمام هذا الرهان الكبير لعون، يصبح تشكيل الحكومة أمراً شبه مستحيل، ما لم تحدث مفاجأة من خارج السياق، تجعله يذعن لرغبة اللبنانيين في حكومة تعمل على وقف الانهيار المتسارع، أو تضعه خارج الحلبة السياسية تماماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى