رأي

سعد الحريري والسنّة: بين الخيانة والابتذال

لبنان عربي – جواد العلي

 

اعتزل، لم يعتزل. سيترشّح، لن يترشّح. على طريقة زهرة اللوتس، تحتلّ أخبار الرئيس سعد الحريري حيّزاً إعلامياً كبيراً، رغم كونه خارج البلاد منذ مدّة، بعيداً عن السياسة ولاعبيها، حتّى أمست قضية اعتزاله من عَدَمِها طبقاً سياسياً يومياً على موائد اللبنانيين الخاوية.

وتتكثّف صورة هذا القرار المُنتظر بمعانٍ كثيرةٍ وتأويلاتٍ شتّى، مع الإحصاءات العديدة التي تُجرى عن الانتخابات، والتي يقول بعضها أنّ الحريري لا يزال رقماً سنّياً صعباً لا يمكن تجاوزه، وصفحة يصعُب طيّها.

لا ريب أنّ غياب الحريري عن الميدان السياسي مؤثّر جدّاً إن كان على الصعيد الوطني أو السنّي، لكن طالما أن الرجل يتريث في اتّخاذ قراره، لماذا كل هذا السيْل من التقارير اليومية عنه؟ وهل هناك جهاتٌ تستثمر في الإعداد والصياغة والنشر والتسويق؟ ولماذا إظهار السنة بهذا الشكل العاري كأنّهم يتامى تُركوا على قارعة الطريق؟

 

ترسيخ صورة المظلوم

يطرَب جمهور المستقبل ويهلّل فرحاً لتصدّر الحريري جدول الأخبار الحافل في بلد يُنازع، فزعيمهم “مالئ الدنيا وشاغل الناس” حسبما يروْن.

ثم ينقلب هذا الجمهور بسرعة قياسية الى الحديث عن مؤامرة ضدّ الحريري، يقودها حزب الله وحليفه العوني لإخراجه من اللعبة السياسية، على وقع خبر حلّ تيار المستقبل، مع أنّه خبر من ضمن عشرات الأخبار التي تتحدّث عن “الزعيم” وقراره المنتظر.

ربّما تكون ردة فعل الجماهير هذه طبيعية، فالجمهور سريع التأثر، لكنّ المؤسف أنّ نخب التيار وقياداته تتماهى مع الجمهور بل وتزايد عليه عاطفياً.

لندعْ العاطفة المشبوبة جانباً ونسأل، بعيداً عن الضغائن والحساسيات، وبمعزل عن المصالح الضيّقة، منْ هو مصدر كل هذا السيْل من التسريبات إن كان الرجل جالساً في مكان لا يعرفه سوى ثلّة من الأقربين، وتركيزه منصبٌّ على أعماله الخاصة؟ الجواب الحريري نفسه.

نعم الحريري هو مصدر كل التسريبات، لأهدافٍ خاصةٍ به. وفي المقابل، هناك جهات سياسية، حليفة وغير حليفة، تستثمر في هذه التسريبات من أجل مصالحها.

لا ينفكّ الحريري عن ترسيخ صورة “المظلوم” لدى اللبنانيين، وجمهوره بشكل خاص. منذ دخوله عالم السياسية وهو يعتنق هذه الفكرة ولم يبرحها حتى الساعة. لا جدال أنّ هذا حقّه، فالسياسي هو من يختار شكله في الصورة التي يريد أن تحتلّ مخيّلة الناس: جريء، محنّك، صبور، داهية، عنيد.. الى ما هنالك من مصطلحات تغزو عالم الجماهير وتربط كل زعيم بواحدةٍ أو بمجموعة منها.

 

الحلفاء القدامى والاستثمار الانتخابي

بيد أنّ الحريري وسّع كادر المظلومية هذه المرة بشكل مُبالغٌ فيه للغاية، لأنّ اللحظة مِفْصلية ومصيريّة، فمسيرته السياسيّة كلّها على المحك. هو يريد الاستمرار في هذا العالم المعقّد، وسبق أن قالها بلسانه في آخر مقابلة أُجريتْ معه عَقِبَ اعتذاره عن تشكيل الحكومة.

لذلك يقوم الحريري بضخّ وتكثيف التسريبات عبر مصادر متنوعة، ومن ثم يسارع الى تكذيبها عبر نواب ومسؤولي المستقبل، متعمّداً إبقاء حالة “اللاقرار” هي السائدة، كي يُمهّد لعودته بناء على طلب الجماهير، والتي عليها أن تتوسل إليه الاستمرار في قيادتها.

ليس هي فقط، بل معها القوى السياسية وخاصّة الأصدقاء “الألدّاء”، التقدّمي والقوات ومن تبقّى من ذاكرة 14 آذار، ومعهم أيضاً الرئيس بري، ولما لا حزب الله. فالحريري يضعهم جميعاً أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا أنا، وإمّا المجهول، وكل القوى السياسية وفي طليعتها حزب الله لا تريد فتح باب هذا المجهول.

كان جنبلاط أوّل من تلقّف هذه الرسائل لما يمتلكه من خبرة ودهاء في هذه الأساليب وبدأ يطالب الحريري بالعودة. ثم انضمّت بعض القوى والشخصيات اليه، والقوات على الطريق. هؤلاء جميعاً بحاجة ماسّة الى الحريري في النزال الانتخابي، لذلك يطالبون بعودته، وهو عارفٌ بما يبغون. والى جانبهم حركة أمل، التي وإنْ ولم تُطالب علناً الحريري بالعودة، إلّا أنّ رئيسها يعمل على ذلك بطريقته الخاصة، وعلى أكثر من صعيد.

 

والخصوم أيضاً

في المقابل هنالك الخصوم، أوّلهم حزب الله، الذي يريد بقاء الحريري، ليس حُبّاً به أو اقتناعاً، فالحريرية وحزب الله فكرتان ومشروعان لا يمكنهما التمازج مطلقاً، مثل الزيت والماء، لكنّ الحزب يفضلّ خصماً مهيض الجناح، خَبِرَه جيداً، ويُعلم أنّه لا يذهب بعيداً في خصومته، مُبقياً إيّاها تحت سقوف مضبوطة.

أضف أنّ حزب الله لا يفضلّ خروج أحد اللاعبين الكبار، وفتح احتمال دخول لاعب أو مجموعة من اللاعبين بدلاً عنه، ما يتطلّب منه الدخول في معارك تدجين جديدة، لا يخافها لكنّه لا يريد التركيز عليها واستنزاف قدراته فيها.

وفي هذا السياق بالتحديد تندرج أخبار حلّ التيار، فهي إحدى تمريرات الحزب للحريري من أجل الضّغط على جمهوره وإخراج حبّهم من الفؤاد الى اللسان والأيدي، والتي يقوم الحريري بتصديرها الى الخارج ولسان حاله يقول هل رأيتم، إنّهم يريدون قتلي سياسياً، وأنتم تساعدونهم، في حين أنّني لا أزال الرقم واحد عند السنة. هل لاحظ أحد أن الهجوم على الحريري من إعلام الممانعة شبه معدوم؟

وأمّا التيار الوطني الحر، الذي لم يستطع كبْح شعور التشفّي في نفوس كِباره، فذلك لأنّه وجد في التركيز على انسحاب الحريري السياسي، مناسبة لحرف الأنظار عن فشله وتخبّطه، وتسويق ذلك على أنه انتصارٌ في زمن الجفاف والقحط.

وما بين انتصارٍ مزعومٍ للتيار العوني، وتمريرات حزب الله، ومطالبات الأصدقاء والحلفاء القدامى، تتشكّل البيئة الخصبة لكل هذه الأخبار والتسريبات، وعليها تُبنى مقالاتٌ وتحليلاتٌ كلٌّ حسب الهدف الذي يريده.

 

هل الحريري خائن؟

كل ما تقدّم هو جزء من اللعبة السياسية، بأسلحتها المحرّمة والمشروعة، الأخلاقية وغير الأخلاقية، هكذا هي السياسة عندنا أحببنا أم لم نحب.

بيد أنّ ذلك لا يمنح الحريري على الإطلاق الحقّ في تصوير السنّة بهذا الشكل المُبتذل. نعم لا تزال الشريحة الكبرى من السنّة تعتبر الحريري الممثّل الأفضل عنها، وفي مكان آخر، معاناة الحريري السياسية هي تكثيف لمعاناة السنّة، لكن لماذا يتعمّد جرح ما تبقّى من كبريائهم بهذا الشكل الازدرائي، ماذا يريد بعد، هل يريد أن تنزل الناس الى الشوارع وتهتف بعودته، هذا كثير.

وفي شارع الحريري بالذات، ثمّة من يعتبر أنه خان الأمانة، فهم لم ينتخبوه ليكون رئيس حكومة فقط، إنّما ممثّلهم الدائم على طاولة القرار السياسي، في الحكم أو في المعارضة، ولم يصوّتوا له ليتخلّى عنهم في ساعة العُسْرة، ومن ثم يريد منهم أن ينتَحِبوا كي يعود.

لا شكّ أنّ السنّة عاجزون عن إنتاج بديلٍ يستطيع تغطية غياب الحريري، وهذه مشكلة كبيرة، لكنّ الحريرية كانت استثناءً في تاريخ سنّة لبنان، وهي الوحيدة التي استطاعت جمعهم أو جمع أغلبهم تحت عباءة واحدة، والاستثناء يبقى استثناءً مهما طال أمَدُه.

ومن المعيب حقّاً أن تكون أكبر طائفة في لبنان وتعداد ناخبيها عام 2018 كان أكثر من مليون، ليس لديها سوى رجلٌ واحدٌ يستطيع مَلْءَ مقعد الزعامة. وبالمناسبة فإنّ السنّة وقتها كانوا الطائفة الرابعة من حيث نسبة التصويت، والتي بلغت 49.2 % حسب دراسات الخبير الانتخابي كمال فغالي، بما يعني أنّ أكثر من نصف السنّة أحجموا عن الاقتراع يأساً وقرفاً، وأكبر نسبة أوراق بيضاء كانت لديهم وبفارق كبير عن باقي الطوائف، لقد كانت الرسالة واضحة.

 

قل كلمتك وامضِ

الرئيس سعد الحريري حرٌّ في قراره، إن شاء استمرّ في السياسة، وإن شاء تحوّل الى عالم الأعمال من جديد، لكنّه ليس حرٌّ أبداً في تَتْفيه صورتنا بهذا الشكل، كما ليس له الحقّ في تحريضنا ولو بشكل غير مقصود على بعض الأشقاء العرب، فنحن نسمع ونرى الأحاديث والكلمات التي تحمّل مسؤولية مأزق السنّة الى هذه الدولة أو تلك، وخاصة من جمهوره.

لا تليق هذه الصورة أبداً بالإرث الضخم الذي يحمله، لا أحد يريد منه أن يكون مظلوماً ولا ظالماً، لا محل شفقة ولا رئيس ميليشيا، يريدون منه فقط أن يكون سياسياَ ورجل دولة، وإن لم يستطع أو لم يعد يرغب في ذلك، فليوفّقه الله في خياراته، لكن كفى تهشيماً لصورتنا المشوّهة. عانينا قبله ومعه، وسنعاني من بعده، هذا قدرنا وعلينا أن نواجهه بواقعية، لا يمكن لأحد إلغاء السنة وشطبهم من المعادلة، ووجودهم غير قاصر على الحريري، سننقسم ونتشرذم، لكننا قطعاً سنبقى.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى