رأي

عودة السنة في لبنان الى المعادلة الوطنية…  تبدأ من استعادة دار الفتوى

لبنان عربي – مصطفى العويك

الجو الذي يدأب الرئيس ميشال عون وصهره وحزبه على اشاعته في البلاد منذ مدة طويلة، يدور حول مفهوم واحد: اهل السنة والجماعة في لبنان، افتتحوا جامعات خاصة تعطي شهادات في تعطيل تشكيل الحكومات، يحاضر فيها أبرز الاختصاصيين في مجال مصادرة صلاحيات رئاسة الجمهورية، وفرض معادلة “ما لا يحق لها يحق لنا”.

أضف الى ذلك، ان هذا الفريق يصر على ان الجامعة نفسها لديها فرع خاص لتدريس الطائفية والتشدد الديني، ومن باب الجدية والسذاجة في آن ينظر الرئيس وفريقه، الى كل سني على الاراضي اللبنانية أنه طالب في هذا الفرع، ويكون طالبا متميزا ومتفوقا اذا كانت هويته الجغرافية شمالية.

والحقيقة ان عون يحاول ان يعيدنا الى زمن المارونية السياسية الذي انقضى فيما انقض فيه، على وقع مدافعه، ودفنه بيده مع باقي الزعماء المسيحيين الذين كان يصارعهم على السلطة، وهو يريد ان يشكل حكومة في العام 2021، وفقا لدستور ما قبل اتفاق الطائف، الذي عارضه في الاساس وحارب لالغائه.

يدرك عون ان الزمن لا يعود الى الوراء، وهو على يقين ان سياسة التذاكي ولي الأذرع التي يعتمدها في عملية التشكيل لن توصله الى مبتغاه، انما الى مزيد من الهوة اللبنانية بين المسيحيين والمسلمين، على اعتبار ان طريقة تعاطيه غير السوية والمتزنة وطنيا مع رؤساء الحكومات المكلفين تباعا، شكلت مناسبة سنية لتوحيد الخطاب المعارض له من قبل الاحزاب والزعامات السنية على اختلاف توجهاتها.

ويدرك ان كل المحاولات التي يتلطى خلفها لتشكيل حكومة على قياس قناعاته القديمة سيكون مصيرها الفشل، وستكون تداعياتها الوطنية كارثية، لانها ستفسح المجال اكثر واكثر لتقدم الخطاب الطائفي على ماعداه من خطابات، وسيرتفع بذلك منسوب الخلاف بين السنة والمسيحيين وسنكون أمام سيناريوهات غير محمودة على الاطلاق.

لذا لا حل الا برحيل ميشال عون، الذي يجب ان يدفع ثمن تعنته في عملية تشكيل الحكومة وتعاطيه مع الرئيس المكلف على انه موظف في قصره، بالقاء الحرم السياسي عليه وعدم قبول اي شخصية سنية معتبرة لتشكيل حكومة في عهده ايا كان دورها وشكلها، فالمسألة لم تعد مرتبطة بشخص او نهج بقدر ما هي مرتبطة بكرامة طائفة، شاء القدر ان تكون مهزومة ومحبطة على المستوى الاقليمي، لكنها لم تفقد يوما قدرتها على الحيوية والمبادرة والفعالية، وان كانت رهن خيارات وقرارات شخصيات سياسية واحزاب، تحالفت مع عون على حساب السنة لتحافظ على حضورها ووجودها في السلطة، ذريعة الحفاظ على الاستقرار والبلاد، واذ بالاستقرار يتحول قنابل موقوتة متنقلة، والبلاد تفقد مكانتها لأسباب شتى أبرزها غياب السنة عن الفاعلية الوطنية والسياسية، واخراج لبنان عن مساره العربي وجعله دمية فارسية على طاولة المفاوضات الاقليمية.

كلام دريان

بالأمس قال المفتي دريان كلاما اعتبره البعض ضروريا للحفاظ على مكانة السنة، تعليقا منه على مذكرة احضار القاضي طارق بيطار للرئيس حسان دياب، ورأى العديد من الكتاب والمفكرين في ذلك الكلام تمهيدا لخطوات أوسع يجب ان تؤخذ وانطلاقا من مظلة دار الفتوى بالتحديد، لكن هؤلاء ربما لم يتنبهوا الى ان الاخيرة هي جزء أساسي من الخلل الكبير الذي يصيبنا، هي التي قال مفتيها لرئيس التسويات والتنازلات: “انا معك والمشايخ معك”، هو الذي اعطاه الشرعية السنية الرسمية للاقدام على ما ينفعه ويضرنا، لكن الدار وصاحبها لا يملك على الاطلاق منحه الغطاء والشرعية الشعبية التي يدرك الجميع انها في مكان آخر.

لذا، ليس المطلوب ان نجتمع تحت مظلة الدار بقدر ما علينا اولا استعادة الدار من سجنها السياسي، والطلب من المفتي دريان الذي تأخر كثيرا في التحرك السياسي، ان يكون مع اهل الطائفة وفئاتها المسحوقة قبل ان يكون مع أي من زعمائها الذين فتكوا بها وبناسها، وأن ينتصر لكرامة السنة لا للمشاريع السياسية الخاصة بممثليهم على المستوى السياسي، ولا يمكن المحاججة هنا ان الانتخابات افرزت هذه النتائج، لأن الانتخابات كانت بنسب متدنية جدا لا تتعدى الـ30%، وبالتالي الانتصار من قبله يجب ان يكون لـ100% وليس لأقلية لديها مطامع شخصية ومادية تقدمها على هواجس السنة وطموحاتهم.

في السياسة، الحل يبدأ من رحيل عون وسطوته وخزعبلاته الدستورية، وبالحرم السياسي والشرعي على كل من تسول له نفسه تشكيل حكومة في عهده، وداخل الطائفة يكون الحل من الدار التي يجب ان تكون جامعة، وبخطاب سيدها السني الطابع المتظلل سقف الوطنية كما كانت الدار على الدوام، الخطاب المتحرر من تبعية حزبية وسياسية، المستمد قوته وشرعيته من الناس المكلومة في الشارع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى