رأي

قبل أن ينكسر “المِشجَب” اللبناني

لبنان عربي – نبيل عرابي

كلّ المعطيات والمؤشرات التي تحيط بجوانب الوضع اللبناني، وعلى جميع الأصعدة، تفيد أنّ هذا البلد قد أخذ يسلك، وبخطى سريعة،  طريق النفق المظلم، فالمشاكل والأزمات المتلاحقة، والتي تتنامى يومياً دون أي تدارك لأيّ منها بشكل مقبول، ولا أقول جذري، تدفع بهذا الوطن الجميل نحو المزيد من التعقيد في معظم شؤونه وشجونه، إن لم نقل كلّها، فكُرَةُ الثلج تكبر، وسرعتها في التدحرج تزداد بشكل ملحوظ، وما من حلول يُمكن التعويل عليها، أقلّه في المدى المنظور.

وإذا أردنا رؤية الأمور بشكل تفصيلي أكثر، فهذه ليست المرة الأولى التي يتعرّض فيها لبنان لأزمة سياسية ضاغطة، تتداخل فيها المصالح والمكاسب، محلياً وإقليمياً ودولياً، وتتاقطع فيها الصراعات السياسية، التي لطالما اتخذت من أرضه مسرحاً لتصفية الحسابات وتوجيه الرسائل غير المباشرة، والساحة اللبنانية خصبة، تنبت فيها بذار الفتن سريعاً، ويشتدّ عودها وتورق وتؤتي ثمارها قبل أوانها، ربما عن قصد أو غير قصد، عن وعي أو غير وعي، لست هنا بصدد تحليل هذا الجانب، لكنّ المشجب (أداة من خشب تعلّق عليها الملابس) الذي تُعَلَّقُ عليه الأخطاء الآثمة المُرتَكبة من قِبَلِ المسؤولين المعنيين مباشرة بمصير هذه البُقعة المنتمية قلباً وقالباً إلى وطننا العربي الكبير، هو التركيبة السياسية التي نشأ عليها، وما يدور في فلكها من إدارة واقتصاد وتشريع…

لقد انخلعت مقابض المشجب من مكانها أكثر من مرة، بسبب ثِقَلِ الحِمْلِ الذي صارت تنوء به، وكاد يفقد توازنه بشكل كامل، ويسقط أرضاً، لكنّ الجهود التي تكثّفت وتكاتفت، استطاعت أن تُصلح ما يُمكن إصلاحه، وأن تمنع حصول السقوط المدوّي، الذي ما كان ليصبّ في خانة مصلحة أي طرف من الأطراف المتناوئة أو المتحالفة، لا بدورها المحلي، ولا بامتدداها الإقليمي والدولي.

الوضع اليوم مختلف بنسبة ماية وثمانين درجة، فالتأزّم ليس محصوراً بالاحتقان السياسي والاختلاف في وجهات النظر، بل تجاوزه إلى مسافات أبعد من ذلك بكثير، مما جعل مقابض المشجب غير قادرة على تحمّلُ المزيد من أثواب الملامة، واتهام الطرف الآخر بعدم التعاون أو عدم الأخذ برأي ما، أو للتباهي بأن الرؤية التي كان يتبناها هذا الطرف، واشبعها الطرف الآخر انتقاداً وتقزيماً، وصولاً إلى الرفض.

والغريب في الأمر أن الشعب اللبناني، والذي رفع الصوت عالياً، وما زال، عبر كل الوسائل المُتاحة له، طلباً لوقف سرعة الإنزلاق السريع نحو المجهول، والمجهول دوماً هو مصدر قلق وارتياب بالنسبة لأي شخص، وعبر متابعاته اليومية وعلى مدار الساعة للوسائل الإعلامية بكل أنواعها، لا يشعر بأن هذه الجعجة ستُنتج طحيناً، بل يعيش مرارة طحن الرحى لصبره وآماله، لأن القاصي والداني من أبنائه أصبح يعرف أن المشجب قد تشقق جذعه، ونخره السوس المزمن، ويمكن في أي لحظة أن ينكسر، وعندها، لن تنفع عبارات الندم والأسف، لأن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء ، ولن تكون هناك آذانُ تصغي إليها، بل ردات فعلٍ لا تُحمدُ عقباها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى