رأي

قوى الثورة في طرابلس: المشروع والمشروعية

لبنان عربي – عمر خضر

مع بدء حراك 17 تشرين الأول 2019، أو ما يتعارف على تسميته بين القوى المدنية بـ”ثورة 17 تشرين”، تداعى العديد من الناشطين إلى المشاركة في التظاهرات الشعبية التي بدأت مساء ذاك الخميس بالتزامن مع تظاهرة بيروت وموقعة مرافقي الوزير السابق أكرم شهيب.

كانت ليلة ملحمية مقارنة بتظاهرات “الويك آند” التي شارك فيها الناشطون من ذي قبل، والكل “نزل” إلى ساحة النور في طرابلس بعفوية مطلقة.

وما إن بزغ صباح الجمعة 18 تشرين الأول 2019 وتفاجأ الجميع بأنّ جموع المشاركين في التظاهرات لا تفتر والأعداد في اضطراد، حتى بدأت تتوالى المبادرات الفردية من أولئك الناشطين، “الثوار” كما يحبون أن يلقّبوا.

فهذا أرخى بخيمته في الساحة وبدأ بالتجييش الشعبي، وذاك بدأ يحاول ضبط إيقاع التحركات الشعبية ومنعها من الإنزلاق نحو العنف والتعدّي على الأملاك العامة والخاصة، وأولئك أيضاً يحاولون جلب مكبّرات الصوت والمنصّات الخشبية والحديدية لجذب المتظاهرين وتوجيههم؛ وفي زاوية أخرى من الساحة مجموعات حزبية وغير حزبية تحاول “تقريش” الحدث لصالحها.

كان المشهد الجميل في حينها يؤذن بأنّ مجموعات الثورة ستكون جماعات متفرّقة ينهشها التزعّم و”الأنا”، وينخرها الاختلاف في التكتيك والإستراتيجيا “حدّ النخاع”، حتى ولو تظاهروا بعكس ذلك كرمى “مقتضيات الثورة المدنية” على قاعدة “عدوّ عدوي صديقي”.

اجتمعت مجموعات “طرابلس تنتفض للبنان” الأكثر تشبيكاً في حينه قبل أن ينفرط عقدها، “حراس المدينة” بشقيها السياسي والميداني، “ثورة المحرومين” بما تمثّل من نبض الشارع الذي يريد الانتقام من السلطة بكلّ مؤسساتها، “شباب لطرابلس” القريبة من الهيئات الإسلامية، المجموعات الثورية المنسجمة مع طروحات الحزب الشيوعي، “ساحة ومساحة” بما تمثّل من امتداد لـ”مواطنون ومواطنات في دولة”، مدرسة المشاغبين، قدامى القوات المسلّحة، ثوار قبضة 17 تشرين، وغيرهم من المجموعات الهامّة والفاعلة.

اجتمع هؤلاء جميعاً بغية إسقاط السلطة، ولكن أيّ سلطة؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن البديل؟ وما الرؤى؟ وما الخطة المستقبلية للخروج من هذا النفق الاقتصادي؟

لا أجوبة واضحة، أو على الأقل لا أجوبة متفق عليها فيما بين هذه القوى الثورية، والكلّ خائف من الكلّ ولا يثق فيه.

ربما يعدّ هذا التوجّس والخوف مبرراً في بلد معقّد كلبنان، لا حياة حزبية فيه، ولا برامج تنموية ولا من “يبرمجون”، الأمر الذي أدّى إلى نتيجة حتمية لهذا الفراغ قياساً مع مقولة ابن خلدون أن ما من فراغ الا ويأتي من يملؤه، حيث استطاعت السلطة أن تستعيد ما خسرته وأن تعاود القبض على أزمة الحكم، وبات المواطن العاديّ عاجزاً عن أي تغيير.

فهل تتحمّل قوى الثورة مسؤولية الفشل والتراجع؟

أم أنّ طريق جنّة الثورة مليء بالمكاره ويحتاج سنين عديدة أو ربما عقوداً عديدة حتى نجتاز صراط؟.

لا مندوحة من القول أنّ قوى السلطة استفادت من تخبّط قوى الثورة وانفراط عقدها، كما استفادت من انشغال الناس في تأمين قوت يومها في أحلك أزمة اقتصادية وصحية وسياسية تمرّ بها البلاد، وليس من الظلم اتهام السلطة بأذرعها وأجهزتها بتسعير النار بين قوى الثورة المختلفة في كل شيء تقريباً.

فكيف لنا في حينه أن نقنع “حراس المدينة” ومجموعة “طرابلس تنتفض للبنان” بالأفكار الاقتصادية والاجتماعية التي ينادي بها الحزب الشيوعي؟

وكيف لـ”ساحة ومساحة” و”شباب لطرابلس” و”مدرسة المشاغبين”، أن ينحازوا إلى الأداء غير المنضبط لـ”ثورة المحرومين”؟.

وكيف للأوادم في الثورة أن ترضى بالتدخل المباشر للأجهزة الأمنية في مفاصل ودقائق التحركات الشعبية العفوية!

كلّ هذه التناقضات واختلاف الرأي الذي لم يفسد، ظاهرياً، للودّ قضية، كما واليأس الذي تفشّى كسرطان “غليوما” في رأس الثائرين، أدت إلى انتهاء الشوط الأول من المباراة بتقدّم صعب لقوى السلطة صاحبة خط الدفاع الفولاذي.

فهل تحسن قوى الثورة إعداد المشروع وتعزيز المشروعية لتفوز في نهاية المباراة؟ خاصة بعد التبديلات التي نفّذتها في صفوف بعض اللاعبين؟.

أم أنّ الإستئثار بالكرة والفردية في اللعب ستبقى هي الغالبة؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى