رأي

من المغول الى الفرس…بغداد رمز نهضة العرب وكبوتهم !

لبنان عربي – سامر زريق

 

شكّل سقوط بغداد، عاصمة الدولة العباسية، في يد المغول تحت قيادة هولاكو عام 1258 م، نهاية العصر الذهبي للإسلام، وللعرب خاصة، في نظر الكثير من المؤرخين. فقد خرج العرب من الحكم، وفقدوا كرسي الخلافة المؤثر الى الأبد.

بيد أن الدولة الإسلامية السنية الجامعة استمرت حتى عام 1920 على يد الأتراك، سواء المماليك أو سلاطين آل عثمان، الأمر الذي خفّف قليلاً من وطأة تلك الفاجعة.

وفي عام 2003، مع دخول الجيش الأميركي الى العراق، سقطت بغداد رسمياً بيد نظام الملالي الفارسي، كثمرة استوت على عودها، بعد أن وقفت صامدة لسنوات أمام تصدير الثورة “الخمينية”، الا أن سقوطها الفعلي كان عام 1990، عندما دخل الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الى الكويت.

وبعدها كانت إيران تتحيّن لحظة السقوط الرسمي، وتستعدّ لها عبر الكثير من الأدوات التي نشرتها في مدن العراق، وفي غير مدينة عربية، لبسط نفوذها ونشر ثقافتها الدموية الهدامة.

واذا كان أبرز ما قام به المغول عند دخول بغداد هو إحراق “دار الحكمة”، بكتبها ومخطوطاتها الثمينة، والتي لا تقدر بمال، فإن القوات الأميركية ومليشيات طهران اتبعوا النهج عينه مع نهب متاحف بغداد، وقتل علمائها وتاريخها.

أَذِنَ سقوط بغداد الثاني بدخول المنطقة العصر الفارسي، حيث تم بعدها شطب ياسر عرفات ورفيق الحريري من الوجود، كي تخلو الساحة للفرس، ليوسعوا نفوذهم ويسيطروا على لبنان والسلطة الفلسطينية، بعد أن ضمنوا سوريا عن طريق بشار الأسد.

بيد أن ذلك ما كان سوى المرحلة الأولى، فقد حولت إيران بغداد الى قاعدة للارتباط المباشر مع ميليشياتها ووكلائها في سوريا ولبنان، والبصرة لتوسيع نفوذها ونشر تخريبها وأذاها في مدن الخليج، في الكويت والبحرين واليمن، حتى أنها حاولت، ولا تزال اختراق المملكة العربية السعودية، عبر بعض الملالي في المنطقة الشرقية.

وكما في الخليج العربي، كذلك في مصر، استغلّت إيران حالة الفوضى التي عمت البلاد إثر ثورة 25 يناير عام 2011، وحاولت بسط نفوذها عبر الدين، والمال “النظيف”، وشبكات توريد السلاح الى المنظمات الفلسطينية التي تدور في فلكها، لكن تلك المحاولات توقفت عند جدار الجيش المصري، الذي وضع حداً لهذا التغلغل الإيراني.

كان النظام الإيراني يروم بسط سيطرته على القاهرة، لتكون قاعدة انطلاق صوب العمق الأفريقي، ودول المغرب العربي، حيث لطهران بصمة جلية في ليبيا، ومحاولات لم تنقطع لاختراق الساحة المغاربية، عبر تسويق النسخة الشيعية الثورية بين أهل البلاد، حسب تعبير المغاربة، وكذلك عبر دعم البوليساريو، واستخدام الصحراء الغربية كممر للمخدرات.

كل ما سبق ما هي إلا محطات في مشروع واحد لتغيير هوية المنطقة من المشرق الى المغرب، وجعلها فارسية خالصة، تدين بالولاء لنائب صاحب الزمان، بما يشكّل قطعاً تاماً لشعوب هذه المنطقة مع تاريخها العريق، وهويتها العربية الأصيلة، التي ما استطاع الغزاة على اختلاف هوياتهم وأعراقهم تغييرها أبداً.

يقوم نظام الملالي منذ سقوط بغداد عام 2003 بأكبر عملية تجريف وتغيير هوية في التاريخ الحديث، غارزاً مخالبه في حواضر العرب، متعطشاً لدماء أهلها، صانعاً منها أنهاراً لا تجف ولا تنضب كي تخضع الشعوب لأمر المرشد وحده. فهذا النظام ما دخل أرضاً الا وجعلها قاعاً صفصفا، كما فعل في بغداد العزيزة والبصرة والموصل وحلب، وكما يحاول اليوم في بيروت.

بيد أن بغداد ليست رمزاً للسقوط فقط، بل هي رمز لنهضة العرب أيضاً، فلطالما كانت واحدة من أهم حواضر العرب على مرِّ تاريخهم، ونذكر المقولة الشهيرة للأديب الكبير طه حسين أن “القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ”.

ففي العصر العباسي الذهبي كانت بغداد عاصمة العالم الأولى حقاً وفعلاً، وأنجبت أو احتضنت كبار العلماء والأدباء والفلاسفة والشعراء، نذكر منهم الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان، الذي يرقد في تراب بغداد في ناحية حملت اسم “الأعظمية” إجلالاً له، ومنهم الإمامين الشافعي وابن حنبل، وكذلك ابن سينا وابن المقفع والفارابي والكندي، وفطاحل الشعر مثل المتنبي وأبو النواس، وغيرهم الكثير.

وعلى ضفتي نهر دجلة كانت تعقد المجالس الأدبية في بيوت بغداد القديمة، وفي المقاهي، وتقام فيها جلسات نقاشية فكرية، سياسية وأدبية وإجتماعية، في تقليد ثابت وممتد ومتصل منذ العصر العباسي، الى أن دكّت سنابك خيل الفرس ذاكرة المدينة على متن الدبابات الأميركية.

ورغم عِظَمِ المحنة وشدّتها، وعسف ودموية مخالب إيران فيها، الا أن بغداد أبت أن تستلم، ولا زالت تعاند وتحاول النهوض من كبوتها، والخروج من الإسار الفارسي للتأكيد على هويتها العربية الأصيلة.

وللمفارقة من يدافع اليوم عن هوية بغداد وعروبتها، هم الشيعة، الذين حاول النظام الايراني تغليفهم جميعاً وتأطيرهم في نسخته الشيعية الخاصة، لوضعهم في خدمته وفي سبيل تحقيق أهدافه، مستخدماً كل الوسائل لغسل أدمغتهم وحشوها بالأكاذيب والأضاليل، الا أنه لم ينجح بالشكل الذي كان يحلم به آيات الله، فلا زال قلب بغداد ينبض بالعروبة.

واذا كان بعض الشيعة في بلاد العرب، ولا سيّما في لبنان، يرون في نظام الملالي عزاً وسلطاناً لهم، فما عليهم سوى التأمل طويلاً في حال أهل “الأحواز” في إيران، والظلم والقمع الممنهج الذي يتعرضون له من قبل النظام منذ عقود، مع أنهم شيعة وليسوا سنة، لكنهم عرب، وهذا هو السبب الوحيد في كل ما يعيشونه.

عيون العرب وأفئدتهم شاخصة الى بغداد التي تحاول التخلص من القبضة الفارسية، ففي نجاحها ضربة قوية لأحلام الامبراطورية، وبداية النهضة من كبوة طال أمدها، وفي هزيمتها تسليم بحتمية تغيير هوية الأرض والشعب.

في بغداد كانت البداية، ونأمل أن تكون فيها النهاية أيضاً.

التاريخ ليس حكاية تروى، بل عبرة وموعظة، لمن شاء أن يتعظ ويعتبر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى