رأي

نقولا ناصيف: السّنة يقترعون في الإنتخابات للمال وسواهم يقترع للقضية!!

لبنان عربي – سامر زريق

في مقالة للأستاذ نقولا ناصيف في جريدة الأخبار، بتاريخ 8 حزيران الجاري، بعنوان “انتخابات عام 2022 الأبخس ثمناً”، قدّم الأخير مقاربة للإنتخابات النيابية المقبلة تفتقد الى الحد الأدنى من المهنية والشفافية والمصداقية.

وهو من دون إبراز أية معطيات أو أرقام أو إحصاءات لتدعيم فكرته، توصل الى نتيجة غريبة ومستهجنة، مفادها بأن الطائفة السنية هي الوحيدة في لبنان التي ليس لديها قضية أو مبادئ تقترع من أجلها، وأنها تنتخب فقط من أجل المال!!

نقولا ناصيف، الكاتب المرموق والصحافي العتيق المخضرم، الذي ألف العديد من الكتب الهامة والمرجعية مثل كتاب “المكتب الثاني حاكم في الظل”، و”جمهورية فؤاد شهاب” وغيرها من الكتب، وصاحب إنتاج هائل من المقالات في كبريات الصحف اللبنانية مثل النهار والأخبار، يحرص دائماً على إظهار نفسه، سواء في مقالاته أو في إطلالاته التلفزيونية، كاتباً موضوعياً، وصحافياً رصيناً من ذوي الأدب الرفيع والأخلاق العالية، بعيداً عن الغلو والتعصب الطائفي الذي يسيطر على الإعلام اللبناني.

لكن يبدو أنّ علاقته بأهل السنة يشوبها الكثير من علامات الاستفهام، ويمكن تلمس ذلك بين سطور كلماته وفي ثنايا مفرداته.

وهو لا ينفك عن كيل أبشع النعوت وأقذع الأوصاف بحق الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ورغم مرور ستة عشر عاماً على إغتياله، تجده حاضراً في كل مقالاته وإطلالاته الإعلامية، وهو في نظره السبب الأساسي إن لم يكن الوحيد لجميع الموبقات والمشاكل والأزمات التي تعصف بالكيان اللبناني.

يرى ناصيف أن رفيق الحريري هو من أدخل ثقافة الفساد والإفساد الى الساحة السياسية، وعمّم أسلوب شراء الذمم والضمائر، ليصبح نهجاً وثقافة، مقدماً صورة سوريالية عن لبنان ما قبل رفيق الحريري، وهي صورة كاذبة وغير حقيقية، تدحضها عشرات الكتب والدراسات الصادرة عن العديد من المؤرخين ، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب الأستاذ فواز طرابلسي “تاريخ لبنان الحديث، من الامارة حتى اتفاق الطائف”، و”صلات بلا وصل”، وكتاب الدكتور توفيق كاسبار “اقتصاد لبنان السياسي”، وكتاب كمال ديب “أمراء الحرب وتجار الهيكل” وغيرها الكثير، وقد تضمنت الكثير من الحقائق التي يعمل ناصيف وسواه من غلاة المتعصبين الموارنة على طمسها، وهي أن الفساد في لبنان ثقافة عريقة وليست طارئة.

وفات ناصيف، أنّ أوّل مجلس نيابي تم انتخابه عام 1926، عقب اقرار الدستور في نفس العام، كان يطلق عليه لقب “مجلس شيحا وفرعون” لكثرة ما أنفق ميشال شيحا وقريبه على الحملات الانتخابية لضمان وصول مرشحيهم.

واستمر هذا التقليد لغاية اليوم، ويذكر ويلبر كرين ايفلاند، المستشار السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، في كتابه “حبال من رمال”، وكذلك مايلز كوبلاند احد أبرز عملاء السي اي اي في الشرق الأوسط في الخمسينيات، في كتابه “لعبة الأمم”، كيف كانت الاستخبارات الاميركية ترسل يوميا حقائب محشوة بالليرات اللبنانية يتم ايصالها الى الرئيس كميل شمعون في القصر الجمهوري لتمويل الحملات الانتخابية لشمعون وشارل مالك وابرز دعاة اليمينية المسيحية.

من جانب آخر يقدم ناصيف الشيعة في صورة الطائفة المبدئية، التي تقترع لا خوفاً ولا رهباً من الثنائي الشيعي، إنما من أجل القضية والمبادئ التي تؤمن بها قائلاً “ليس عجباً ملاحظة الناخبين الشيعة لا يشترطون المال للذهاب الى التصويت للثنائي الشيعي. ما يجمعهم بالرئيس نبيه برّي رمز الرجل بما يمثّله وحركته، مقدار ما يجمعهم بحزب الله فكرة المقاومة وضمانها الممثل في سلاحها. كافيتان لأن لا يكون المال عصب الاقتراع”، طاوياً بذلك كل الاعتداءات التي قام بها أنصار الثنائي ضد كل شيعي تسول له نفسه الترشح في مواجهتهما سيما إن كان يتمتع بقدر من الحضور حتى ولو كان خجولاً ومحدوداً.

ويصاب ناصيف بنسيان مؤقت يجعله ينسى تماماً كل الانتقادات التي كالها لبري ولحركة أمل بسبب سيطرتها على الوزارات وادارات الدولة وصولاً الى المياومين والحُجّاب.

كما يقدم ناصيف الدروز بصورة الطائفة التي توالي وليد جنبلاط وتتماهى معه في كل خياراته حرباً أو سلماً، معركة سياسية أو تسوية، مع أن جنبلاط له صولات وجولات في الحرد وتصويب مدافعه الكلامية للحصول على حصص ووظائف في الدولة.

“أما المسيحيون، فيذهبون الى الانتخابات النيابية – من غير ان تخلو طموحاتهم من متمولين كبار في لوائحهم – من اجل مواصلة اقتتالهم في صناديق الاقتراع”. إن تأثير المال لدى المسيحيين ضعيف وفق ما يقوله ناصيف، فالهدف الاهم لدى المرشحين المسيحيين هو الحصول على تفويض بتمثيل المسيحيين، ولذلك يخوضون معارك شرسة يضعف تأثير المال فيها.

لكن النهج الذي سلكه التيار الوطني الحر في انتخابات عام 2018 ينسف الفكرة من أساسها، فهو لم يترك متمولاً مسيحياً الا وضمه الى لوائحه كي ينفق ببذخ على الحملة البرتقالية، من سركيس سركيس الى نعمة افرام، وصولاً الى أسعد نكد، الذي قال في العونيين ما لم يقله مالك في الخمرة، فهو اكد في اكثر من إطلالة إعلامية بأن التيار الوطني الحر استغله للإنفاق على لائحة التيار في زحلة ولتجيير اصواته وحيثيته الشعبية لصالحهم، في حين أنهم كانوا يحرضون أنصارهم على عدم التصويت له.

“بينما وحدهم السنّة، ويكاد يكونون وحدهم فعلاً، يقاربون الانتخابات النيابية بالمال”. هكذا يحكم بكل بساطة نقولا ناصيف على طائفة برمتها أنها تقترع فقط من أجل المال.

من بوابة التصويب على الرئيس رفيق الحريري، يخرج الرجل ما يعتمل في فكره وعقله من كره تجاه السنة، متجاهلاً أن نسبة الاقتراع المرتفعة لدى السنة عامي 2005 و2009 كانت بسبب اغتيال الحريري في الاولى، وبتأثير 7 أيار في الثانية، أما عندما غابت القضية، انخفضت نسب الاقتراع بشكل فاضح لدى السنة عام 2018، حتى انها قاربت المقاطعة في الإنتخابات الفرعية في طرابلس، اكبر مدينة سنية في لبنان، كما يتجاهل عمداً أن إئتلاف قوى السلطة خسر انتخابات بلدية طرابلس عام 2016 وهو يملك المال والسلطة، في حين ان اللائحة المنافسة شكلت على عجل وبميزانية محدودة، وقد اقر الرئيس سعد الحريري عقبها أن هناك العشرات من الأشخاص قد سجلوا اسماءهم في ماكينة المستقبل الانتخابية لكنهم اقترعوا للائحة المنافسة، وذلك يعني بشكل جلي لا لبس فيه ان المال ليس الدافع والمحرك للانتخاب لدى السنة، فالسنة كما غيرهم، لديهم من ينحني امام المال او يجرفه تأثير السلطة، ولديهم من ينتخب من أجل القضية والمبدأ ولا يتأثر بالمال.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى