رأي

هل اغتيل رفيق الحريري بالأمس؟

لبنان عربي – جواد العلي

الذكرى السابعة عشر لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري ليست كسابقاتها. فقد انسحبت السياسة وأخْلت مكانها للعواطف الوجدانية الصادقة. حسناً فعل الرئيس سعد الحريري بإعلان انسحابه من عالم السياسة الموحِل والوعر قبل موعد الذكرى، بمعزلٍ عن القرار وأسبابه وتداعياته، والموقف منه.

بالأمس، اكتست الذكرى ب”الأنسنة” التي ما كان لها مكان طيلة ستة عشر عاماً. في تلك السنوات، كان إحياء الذكرى يتوه في عوالم المواقف السياسية الساخنة أو الباردة، القوية أم المُهادنة. أما البارحة، فإنها كانت ذكرى رفيق الحريري فقط.

لذا كان الحزن عميماً، وكأن الاغتيال حدث قبل يوم أو حتى ساعات. لا نتحدث عن الجموع التي أمّت الضريح، بل عن الحزن الذي ملأ القلوب ونكّس الرؤوس في المنازل. لم يكن ممكناً أن نشعر بألم الفراق طالما أن شياطين السياسة قابعة في التفاصيل.

وتتكثف آيات الحزن أكثر، ويقوى ألم الفجيعة بسبب الأوضاع المأساوية التي تعيشها البلاد. ربما لم يكن الحزن ليبلغ هذا القدر لولا سعير الأزمة والانهيار.

لا نعلم أنحزن على رفيق الحريري، أم على حالنا، أم على بلدنا؟ لا ريْب أن ألم الفراق صعب وقاسٍ، فكيف عندما يجتمع مع العزلة التي تطوقنا، وتضغط على أرواحنا الهائمة فوق سعير الأزمات الملتهبة.

بعيداً عن السياسة والاقتصاد والتعليم، وعن كل إبداعات وإنجازات رفيق الحريري، فإنه كان يمثل بالنسبة إلينا الأمل. كم كان مصيباً عندما اختار مصطلح المستقبل بالذات كرمز سياسي له. فللأمانة إن أعظم ما خسرناه بفقدناه كان المستقبل.

سبعة عشر عاماً حافلة بالأحداث الجِسام يمكن اختصارها وطيّها ومهرها بكلمة واحدة: لا أمل. فمع اغتياله اغتِيل المستقبل وأُعْدِم الأمل.

لا أعلم كم هو عدد جرحى الانفجار الذي استشهد به رفيق الحريري، مع ثلّة من رفاقه، وجمعٍ من الأبرياء، لكنني اليوم أستطيع القول بكل ثقة أن لبنان واللبنانيين كلهم أصيبوا بالجراح في هذا الانفجار.

جراح ظنّنا أننا نستطيع البَراء منها، لكن الحقيقة المرة أن جرح كل واحد منا لا يزال طازجاً ينزف دماً وألماً، وأن الجرح كَبُرَ على مرّ السنين. كابرنا كثيراً وكذّبنا على أنفسنا قبل الآخرين إنما دون جدوى.

لم أجد تعبيراً أكثر صدقاً وبلاغةً من صورة المرأة المسنة على الضريح، إذ تختصر حالنا وحال بلدنا أيضاً. صورة صادقة لا رياء فيها ولا مُداهنة، لا سياسة ولا مال، لا موقع ولا مقام.

صورة أرى كل واحد من جمهور رفيق الحريري فيها، جمهور الفقراء الذين جُلّهم ما رأوْه ولا تكلّموا معه، لكنهم أحبوه بكل صدق، ولم يعد في القلب مكان لسواه، فرفيق الحريري يطغى على كل ما عداه. هي صورة لبلد هَرِمَ بشيبه وشبابه وأطفاله الذين لم يبلغوا الحلم بعد، ليصير بلد الأيتام الفاقدين للأمل.

لا نريد بهذه الكلمات القليلة إحباط من لا يزالون يحتفظون بقليل من الأمل، ويصرّون على خوض معركة التغيير من باب الانتخابات. بل على العكس تماماً فإن معشر الفقراء يدعو لهم بالتوفيق والنجاح، فهم “منّا وفينا”، نالهم ما نالنا من القهر والأذى، لكنهم تفوقوا علينا بقدْرٍ من الشجاعة دفعهم الى الإقدام على خوض انتخابات قاسية وغير عادلة.

أما نحن فإن اليأس بلغ منّا مبلغاً يدفعنا الى الكفر بكل الاستحقاقات والمناسبات الكُبْرى والصُغْرى، والى الكفر بما تبقى من بلد.

في هذه اللحظة العاطفية المشحونة بالآم الفراق، ينبغي علينا الاعتراف أننا غُلِبنا وهُزمنا شر هزيمة، ولسان حالنا يردد الآية الكريمة: “فدعا ربه أني مغلوب فانتصر”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى