رأي

يتجاوزون الآفات الأخلاقية وينادون بتحرير القدس… خطباء المساجد هل من مراجعة؟

لبنان عربي – عتاب أبو زكي

 

منذ كنا صغاراً وحتى يومنا هذا، هناك بعض الشعارات التي حفظناها أطفالاً، وكبرت وترعرعت معنا، و لا تزال تتردد وتتكرر في خطب الجمعة وفي الأدعية، ويؤمن عليها المصلين بقوة وحزم.

كلمات وجمل ترسخت بعمق في أذهاننا، نذكر منها “اللهم أهلك الصهاينة الملاعين”، “اللهم انصرنا على أعدائك أعداء الدين”، “اللهم ارزقنا صلاة في المسجد الأقصى عما قريب”.

يزداد إستخدام هذه الكلمات في الأدعية مع كل محنة يتعرض لها الأقصى، وما أكثرها، حيث يعمد الإمام الى تردادها عدة مرات، لعل الساعة تكون ساعة إستجابة وأبواب السماء تكون مُفتّحة، فيستجيب الله جل وعلا لدعاء المؤمنين.

وفي خطب الجمعة، يعيدنا الخطباء الى العصر الذهبي للاسلام، ضاربين الأمثال برجال الإسلام الأوائل، خاصة عهد الخليفة عمر ابن الخطاب، كأني بهم يريدون من قادتنا الحاليين أن يسيروا سيرة عمر، وإنه لعمري تشبيه يُنقص من قدر ابن الخطاب، فلا أحد من سياسيي عصرنا يستحق المقارنة بأبسط صحابي من ذاك العصر، وإن كان من مجال للمقارنة، فهي ممكنة مع عبد الله بن أبيّ بن سلول وجماعته فقط.

وهناك مفردات لا تغيب عن أي خطبة جمعة، يقولها الخطباء على المنابر، ويحرصون على تلقينها للمصلين كي تبقى راسخة في أذهانهم، حيث يصور الخطباء للعامة أن الإسلام يتعرض على الدوام لمؤامرات لا عد لها ولا حصر، وأن الغرب الكافر هو مصدر هذه الأفكار الشيطانية، فلا تخلو خطبة من كلمة مؤامرة، وغرب كافر، وماسونية، وسواها من المفردات التي يعرفها جميع المصلين، وباتوا أنفسهم يرددونها في جلساتهم ومسامراتهم بتأثير خطب الجمعة.

ولكن للأسف الشديد، المؤامرات بين المسلمين أشد وأقسى من أي مؤامرة غربية. هناك، أسفل المنبر حيث يتحدث الخطيب، يجلس هذا الذي سرق أموال اليتامى، وآخر أطلق النار على شقيقه من أجل قطعة أرض أو حفنة من المال، وذاك الذي يضع هاتفه أمام عينيه ويبيع ويشتري الدولار أثناء الخطبة، والذي يغش في البيع، وآخرين بقصص مرعبة أين منها ما يتحدث عنه الإمام في خطبته.

وكما اننا نطالب السياسيين باتباع الواقعية في خطابهم وممارستهم للسياسة، كذلك يجب على خطباء الجمعة أن يكونوا واقعيين، وأن يخصصوا خطبهم أو القسم الأكبر منها لمعالجة الآفات الاجتماعية التي تنخر في المجتمع، كمرض خبيث يفتت المجتمع والعائلات الى حطام وأشلاء مبعثرة.

هناك قضايا أبسط بكثير من قضية القدس نقف عاجزين أمامها بلا حول ولا قوة، تستحق اهتماماً أكبر من الخطباء والوعاظ.

فنحن وبعد مرور ما يفوق السنة على إنتشار جائحة كورونا، لا زلنا نغرق في جدل لا ينتهي حول التباعد بين المصلين في المساجد، وترى الرجل يدخل المسجد، فيجد المصلين يقفون متباعدين، فيصر على أن يغلق الفجوة بينهم، وعندما يُسأل عن سبب كسره حلقة التباعد، يقول ببساطة أنه غير مقتنع بالتباعد، ويبدأ بالمحاججة، وتلاوة الآيات، وقراءة الأحاديث النبوية التي تؤكد صحة وجهة نظره، ضارباً بعرض الحائط كل الفتاوى الصادرة عن كبار العلماء في العالم الإسلامي!

وفي مشهدية ثانية، يقوم بعض الشباب والصبية بتوزيع الكمامات على المصلين، بناء على طلب القيمين على المسجد وتحت اشرافهم، ليُصدم هؤلاء الصبية بموزاييك من ردات الفعل العجائبية، واحد ينهره، والثاني يعبس في وجهه، والثالث يأخذها بعصبية ويرميها على أرض المسجد، والرابع يضعها في جيبه، والخامس يشير له من بعيد بأنه لا يريد، والسادس يقول الكورونا كذبة من صنع اليهود. وهكذا، قلما تجد واحداً بين المصلين يقبل أن يأخذ الكمامة ويضعها على وجهه، حماية لنفسه وللآخرين في نفس الوقت، وكأن الكمامة رجس من عمل الشيطان، أو فعل يدل على نقص الدين أو الرجولة!

كيف نريد ان نحرر المسجد الاقصى ونحن لا نزال أعجز من أن نقتنع بأن الكورونا وباء قاتل، خطف من بيننا الكثير من الاخوة والأحبة في لمح البصر؟!.

كيف نريد أن ننتصر على الصهاينة، ونحن ننهزم في كل يوم أمام نفسنا الأمارة بالسوء، وننحني سمعاً وطاعة أمام غرائزنا؟.

قبل أن نحرر المسجد الاقصى، يجب علينا أن نحرر أنفسنا، وأن نطهر قلوبنا من دنس المال والجاه والسلطة والشهوات، فطريق تحرير القدس تمر من قلوبنا، علينا أن نصلح سرائرنا مع الله ومع أهلنا وأخوتنا وأبناء مجتمعنا، عندئذ يصبح الطريق الى الأقصى معبداً وواضحاً، أولم يقل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب “نحن أمة لا ننتصر بالعدة والعتاد، ولكننا ننتصر بقلة ذنوبنا وكثرة ذنوب الأعداء، فلو تساوت الذنوب لانتصروا علينا بالعدة والعتاد”.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى