عربي دولي

حرب القرار النفطي: بايدن عاجز عن تجاوز السعودية

لبنان عربي – سامر زريق

 

 خلال قرن بكامله، لم يتم استخدام النفط كسلاح استراتيجي سوى مرة واحدة فقط، وذلك إبان حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، وهي الحرب الكلاسيكية الوحيدة التي خسرتها إسرائيل. واليوم عادت السعودية الى استخدام هذا السلاح الإستراتيجي والنوعي بمهارة وحنكة، للتأكيد على مكانة المملكة في النظام العالمي، وتربّعها على مقعد قيادة الدول النفطية، في مواجهة محاولات عزلها وليّ ذراعها، والتي تصبّ جميعها لصالح نظام الملالي الإيراني، الذي يسعى منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1978 الى إعادة أمجاد الامبراطورية الفارسية.

 

الاستخدام الأول: أميركا وإسرائيل

في 16 تشرين الأول عام 1973، أعلنت منظمة “أوبك” (تجمع الدول المصدرة للنفط)، التي تقودها السعودية، قطع الإمدادات النفطية عن الدول التي تساند إسرائيل في حربها ضد مصر وسوريا، وفي طليعتها أميركا وهولندا.

بقي القرار سارياً لمدة 6 أشهر، واعتُبر حدثاً عالمياً لا يزال صداه يتردّد حتى يومنا هذا. فقد انهارت الأسواق المالية الأميركية وخسرت 97 مليار دولار، وعانت حالة ركود اقتصادي استمرت لسنوات مع تضخّم هائل، وانخفض الناتج القومي الإجمالي الأميركي بنسبة 6 % بين عامي 1973-1975.

وظهر تأثير القرار أيضاً في أوروبا، مع قيام حكومات العديد من الدول بإتخاذ قرارات للحد من آثار ارتفاع أسعار النفط بنسبة 40% نتيجة القرار العربي. مثل منع الطيران وقيادة السيارات والقوارب يوم الأحد، وفرضت هولندا عقوبة السجن لمن يستخدم أكثر من حصّته من الكهرباء، وواجهت بريطانيا سلسلة إضرابات عُمّالية كانت عاملاً رئيسياً في تغيير الحكومة.

وكان قرار وقف الإمدادات النفطية سبباً رئيساً في تأسيس وكالة الطاقة الدولية، بهدف إنشاء احتياطيات النفط الاستراتيجية التي يجري الحديث عنها اليوم.

وقتذاك رفضت إيران، التي كانت تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، الانضمام الى الحظر العربي، رغم عضويتها في “أوبك”، وبقيت المصدر الأول للنفط لإسرائيل، لكن الشاه حاول استغلال الموقف العربي، وعمل على رفع أسعار النفط وابتزاز الشركات النفطية.

ويذهب الكثير من المؤرخين الى أن سلوكه هذا كان عاملاً حاسماً في إغضاب مراكز القرار في الدول الكبرى، ما دفعها الى رفع الغطاء عن نظامه وتركه يسقط بعد سنوات قليلة، نتيجة ثورة شعبية دعمها حلفاء الشاه السابقين، حيث وقفوا الى جانب الخميني بالتحديد لمنع وصول الشيوعيين الى الحكم.

 

الاستخدام الثاني: روسيا 2020

في العام الماضي، عادت الرياض الى استخدام النفط كسلاح إستراتيجي، لكن بشكل عكسي هذه المرة عبر زيادة الإنتاج، في مواجهة روسيا “النفطية” التي رفضت تخفيض إنتاجها من أجل رفع الأسعار.

فقد بدأت أسعار النفط في الانخفاض في النصف الثاني من عام 2014، بسبب انتعاش الأسواق بالإنتاج النفطي الأميركي، واستمرت الأسعار بالانخفاض حتى مطلع عام 2016، ووصلت الى حدود 27 دولاراً للبرميل الواحد، وهو أدنى مستوى منذ 12 عاماً.

في كانون الأول من عام 2016، إتفق الأعضاء في “أوبك” بقيادة السعودية، ومنتجين مستقلين أبرزهم روسيا يشكّلون “أوبك+” على تنفيذ خطة لخفض الإنتاج بنحو 1.8 مليون برميل، اعتباراً من مطلع عام 2017. ومع هذا الإتفاق الذي وصف ب”التاريخي” بدأت الأسعار بالارتفاع، وبلغت 65 دولاراً نهاية العام نفسه.

واستمرت الأسعار بالارتفاع بعد قرار الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، وتأثيره على إمدادات النفط العالمية، الى أن تراجعت عام 2019 بسبب زيادة إنتاج النفط الصخري الأميركي. ثم بعد ذلك تراجعت أكثر تحت تأثير جائحة “كورونا”، التي أدّت الى توقّف المصانع وشلّ الحركة الاقتصادية العالمية.

رفضت روسيا التجاوب مع خطط السعودية بشأن تخفيضات الإنتاج، عندها ردت الرياض بشكل قاسٍ، حيث قامت بدءاً من آذار 2013، بفتح باب الضخ في السوق على مصراعيه، وتعهدّت بإيصاله الى كمياتٍ قياسية. وطبّقت السعودية خفضاً كبيراً على أسعار البيع الرسمية لنفطها، وصلت الى حدود 25-28 دولاراً للبرميل، وركّزت جهودها على الزبائن التقليديين لخام الأورال الروسي.

وفي تقرير نشرته وكالة “بلومبيرغ” العالمية في آذار عام 2013، أعده كل من ماثيو مارتن وخافيير بلاس وغرانت سميث، قالت فيه أن السعودية زادت الكميات المعروضة بنسبة 25 % عن معدل الإنتاج، ما يضع شركة “أرامكو” السعودية فوق طاقتها القصوى المستدامة، وأشار التقرير الى أن المملكة تستعمل مخزوناتها الإستراتيجية لإغراق السوق بأكبر كمية ممكنة من النفط الخام، وبأسرع وقت ممكن.

ويشير التقرير الى أن نتيجة حرب الأسعار بين السعودية وروسيا تحدّدها قدرة كل طرف على إلحاق الضرر بالآخر، وكذلك من خلال قدرته على امتصاص الضرر، لافتاً إلى أن السعودية تتمتع بقدرات هجومية أكبر، بفضل حوالي مليوني برميل في اليوم من الطاقة الإنتاجية غير المُسْتغلّة، كما يمكن للرياض أيضاً استخدام مخزونها النفطي الإستراتيجي لزيادة الإمدادات في وقت قصير جداً.

استسلمت روسيا سريعاً، وأقرّت بزعامة المملكة للدول المصدّرة للنفط، نتيجة تأثير الإجراءات السعودية على اقتصادها بالتزامن مع آثار “كورونا” الكارثية، ولا سيّما أن موسكو لا تمتلك مخزونات إستراتيجية تستطيع إدخالها في خضم المواجهة مع السعودية.

وفي شهر نيسان من العام نفسه، إتفق أعضاء ائتلاف “أوبك+” على تخفيض الإنتاج النفطي بما يقارب 10 ملايين برميل يومياً ابتداءً من شهر أيار 2020، ما يعدّ انتصاراً للسعودية التي نجحت في تطويع الدب الروسي غير المُدجّن وإلزامه تطبيق خططها، ومنذ ذلك الحين، لم تُبدِ روسيا أية رغبة في التغريد منفردة مرة أخرى.

 

الاستخدام الثالث: أميركا 2021

مع عودة الروح الى شرايين الاقتصاد العالمي خلال العام الحالي، إثر التخففّ المتدرّج من القيود التي فرضتها جائحة “كورونا” على جميع الدول، بدأت أسعار النفط بالارتفاع بشكل تدريجي، وسط توقعات بوصولها الى 100 دولار للبرميل في نهاية العام الجاري، ودخلت السعودية في مواجهة نفطية قاسية مع الولايات المتحدة الاميركية، بسبب رفضها زيادة الإنتاج النفطي لمنع ارتفاع الأسعار.

هذه الارتفاعات المتتالية والكبيرة في أسعار النفط أفضت الى حدوث موجة تضم هائلة في الولايات المتحدة لم تشهد لها مثيلاً منذ 30 عاماً، ما أدى الى تسجيل تراجع كبير في شعبية الرئيس الأميركي جو بايدن.

وفي تقرير مطوّل نشره موقع “بلومبيرغ” في الأسبوع الماضي، وأعدّه كل من ماثيو مارتن وخافيير بلاس، يتحدث عن العلاقات الأميركية السعودية، والصراع النفطي السياسي بينهما، يقول أن الرئيس بايدن منذ انتخابه لم يتحدث سوى مرة واحدة فقط مع العاهل السعودي الملك سلمان، ولا يزال يرفض التواصل مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

ويشير التقرير الى أن بايدن إذا كان يريد نفطاً رخيصاً، فأن ولي العهد السعودي في المقابل لديه قائمة مطالب من البيت الأبيض. ويذكر التقرير أن الموفدين الأميركيين حاولوا في لقاءات خاصة ومعلنة، إقناع السعوديين بضخّ المزيد من النفط وبسرعة، وذلك حسب ما أفاد به مسؤولون من الدولتين، وكان الضغط الديبلوماسي يستهدف ولي العهد بالدرجة الاولى، الذي بيده تغيير أسعار النفط ومصير السياسيين في الدول المستهلكة، لكنه لم يتزحزح قيد أُنْملة، وحتى أنه رفض استقبال وزير الدفاع الأميركي.

وفي النهاية لم يحصل بايدن على النفط الذي يريده، ما دفعه الى إتخاذ قرار تاريخي يقضي بإخراج كميات من الاحتياطي النفطي الإستراتيجي، وهو قرار يحمل مخاطر التصعيد من كارتيل “أوبك+”، وهذا الاحتياط إتُّخذ القرار بإنشائه بعدما قطعت السعودية والعرب النفط عن أميركا عام 1973، وقام بعض رؤساء الولايات المتحدة بسحب كميات منه لتهدئة أسواق النفط، خلال أوقات الحروب، أو عند حدوث كوارث طبيعية.

ويحاول الرئيس الأميركي تشكيل جبهة مضادة لمواجهة “أوبك+”، تشمل الدول الأكثر استهلاكاً للنفط، وتقوم خطته على استخدام المتوافر من النفط  في المخزون الإستراتيجي لخفض الاستيراد، ممّا سيؤدي الى انخفاض الطلب على المادة، وبالتالي انخفاض أسعارها.

هذه الحرب النفطية، التي قد تتوقف بسبب الموجة الخامسة “الكورونية”، أكّدت فشل سياسة تهميش السعودية التي اتّبعتها إدارة بايدن، وتحيّزها لصالح إيران، والذي يظهر في سعيها الحثيث لإبرام إتفاق نووي جديد معها، ورضوخها لشروط نظام الملالي، في استنساخ لما قامت به إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، الذي أظهر مشاعر سلبية للغاية تجاه السعودية في كتابه “الأرض الموعودة” عن فترة حكمه، في حين أنه لم يخفِ إعجابه الشديد بالحضارة الفارسية.

بيد أن السعودية أثبتت، إن كان في صراعها مع روسيا بالأمس، أو أميركا اليوم، وما بينهما الامتناع عن استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لأشهر خلت، بسبب صفقاته السياسية مع إيران وميليشياتها، أنها قطب عالمي لا يمكن تجاوزه أبداً، وذلك عبر استخدام سلاح النفط الإستراتيجي بمهارة شديدة، لا عبر فِرَق الموت والمنظمات الإرهابية وتجارة المخدرات وغسيل الأموال كما يفعل الآخرون.

وحتى لو انخفض سعر برميل النفط، فإن ذلك لا يعني أبداً هزيمة المملكة في هذا الصراع العالمي، بل هو انعكاس طبيعي لقرار بايدن استخدام الاحتياطي الاستراتيجي، ومعه الدول الصناعية الكبرى، بينما الحرب حول “لمن الإمرة” في عالم النفط لا تزال مفتوحة على مصراعيها، وتبقى العبرة بالخواتيم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى