عربي دولي

لبنان: أكبر تحدٍ طارئ يواجه أوروبا

سقوط الدولة يزيد مخاطر موجات لجوء كارثية

 

مقال تحليلي لمجلة “foreign policy ، بتاريخ 15 تشرين الأول 2021.

تحليل فيصل عيتاني وعظيم ابراهيم.

ترجمه للبنان عربي: طارق مفيد المبيض.

تعهد البرلمان الأوروبي بفرض عقوبات على شخصيات سياسية لبنانية، إذا زعزعت تلك الشخصيات استقرار الحكومة اللبنانية التي شكلها نجيب ميقاتي مؤخراً. ويعد هذا التعهد، بمثابة استمرار لسياسة البرلمان الأوروبي التي أجبرت النخبة السياسية اللبنانية المتشتتة على تشكيل حكومة في أيلول الماضي، بعد 10 أشهر من الجدل والتأخير ولعبة رمي التهم بين بعضها البعض.

وكسياسة تبدو غريبة، فإن الاتحاد الأوروبي لا يتدخل عادة بموضوع عمل الدولة وإعادة إحيائها، وعندما يتدخل عبر التهديد بعقوبات تطال عدة أشخاص مشاركين في الحكومة، يبدو ذلك وكأنه طريقة غير متوقعة للتدخل.

ولكن بعد سقوط البلد في العنف المتجدد، وبعد أشهر من الكارثة الاقتصادية التي حلت به، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه يلعب دوراً حاسماً. لأن لبنان في الوقت الراهن يعد أكبر تحدٍ يواجه السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، الذي لديه مصلحة ملحة للحفاظ على حكم جيد في هذا البلد.

إن انهيار لبنان الذي استوعب ملايين اللاجئين الفارين من الحرب السورية ونزاعات أخرى، سيخلق موجة جديدة من اللجوء باتجاه أوروبا، وهذا ما سيحمل للأوروبيين تحديات جديدة.

لبنان هو من أكثر بلدان الشرق الأوسط تنوعاً، ولكنه أيضاً من أكثرها عدم استقراراً. وهذا البلد ليس لديه هوية سياسية مسيطرة، مع وجود أعداد متساوية للسنة والشيعة والمسيحيين، وجميعهم مقسّمون داخلياً، مع تعايش هش فيما بينهم.

اندلاع القتال بين حزب الله ومعارضيه في بيروت، والذي أدى الى سقوط سبعة قتلى (أحداث الطيونة)، برهن على مدى هشاشة حتى اللاعبين السياسيين، الذين حافظوا بشكل لافت على الاستقرار خلال العقود الماضية.

إذا أخذنا بعين الاعتبار الاجتياحين السوري والإسرائيلي واحتلالهما للبلد، ودعمها للاقتتال الداخلي والحرب الأهلية وامتداد نزاعات أخرى، فإن حقيقة أن لبنان قادر على إدارة وتشكيل حكومة مستقرة في التاريخ يعد أمراً بمثابة معجزة.

ولكن هذه المعجزة حصلت بشكل متقطع، واستندت على التقسيم الجامد لأهم مهمات الحكومة. رئيس الجمهورية يجب أن يكون مارونياً، رئيس الحكومة سنياً، ورئيس البرلمان شيعياً، ونائب رئيس الحكومة، ونائب رئيس المجلس النيابي أرثوذوكسياً، وهكذا دواليك.

الجانب المظلم من هذا النظام هو رعايته للجمود، وعدم وجود تنافس بين النخب الحاكمة، ولا يستجيب للمتطلبات الديمقراطية للشعب، وبعيد عن الأسس الديمقراطية عبر التهديد بأن أي إجراءات سيتخذها المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت، ستُزعزع استقرار الحكومة وستُشعل صراعاً مفتوحاً.

هذه الدرع أمام التدقيق في عمل الحكومة أسفر عن عدم كفاءة، وتلاعب، وفساد، وإجراءات الاتحاد الأوروبي المتقاطعة مع الحراك الديمقراطي الثوري في لبنان، تعد فرصة نادرة لوقف كل ذلك.

الأمور التي حصلت في نهاية عام 2019، عندما نزلت موجات المعترضين الى الشارع في كل لبنان، توجهت بشكل مباشر الى عدم كفاءة وفساد المسؤولين الرسميين. وبشكل غير معتاد، المعترضون كانوا بأغلبيتهم الساحقة ذوي توجه مدني تخطوا الحواجز الطائفية والسياسية.

وبشكل مألوف جلس المواطنون مع بعضهم البعض، كتفاً لكتف على الطرقات في لبنان ليعارضوا الفساد والنخب السياسية بغض النظر عن الشخص الذي اختاروه كي يمثلهم في التظاهرات.

انتفاضة 2019 واجهت قمع السلطة وعنف حزبي متقطع، ولكنها فشلت في تحقيق هدفها النبيل بإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة، وإعادة كتابة العقد الإجتماعي اللبنانية. كانت تفتقد الى قيادة سياسية متماسكة، ومنصة سياسية موحدة، وناضلت من أجل خلق حلف عريض يلتف حول سياسات وأهداف محددة.

وعلى الرغم من التعاطف الواسع مع مبادئها، لم يترك المواطنون اللبنانيون أحزابهم مقابل تلك الحركة المدنية غير المتبلورة.

ولكن كان هناك في النهاية، تأثير صحي، على أية حال. السياسيون وحلفاؤهم رجال الأعمال وجدوا أنفسهم تحت ضغط مستمر من الإعلام والمجتمع المدني، بالإشارة الى نوع جديد من المحاسبة في الشؤون اللبنانية. التابو (المحرمات) سقطت، والشوارع اللبنانية في حالة انتظار.

المعارضون خرجوا لمدة أشهر عندما انهار لبنان مالياً، وما زاد الطين بلة هو انتشار كورونا سنة 2020 في البلد، وبشكل دراماتيكي انفجار مرفأ بيروت، عندما انفجر مخزون هائل من نيترات الأمونيوم في آب من تلك السنة، وأدى الى مقتل 200 شخص، والى دمار كبير في المباني، وترك خلفه 250 ألف شخص بدون منزل.

استقال رئيس الحكومة حسان دياب وسط غضب من إهمال الحكومة الذي سمح بحصول هذه الكارثة. الانفجار أصبح علامة الانهيار في لبنان، مع ارتفاع صاروخي بأعداد المصابين ب”كوفيد 19″، وانهيار العملة وسط تضخم هائل.

البنك الدولي صنف الانهيار الاقتصادي اللبناني كأحد أسوأ الأزمات التي حصلت منذ سنة 1800، عدد كبير من الشعب اللبناني أصبح تحت خط الفقر، مع ارتفاع مذهل في كلفة المعيشة.

الطبقة السياسية لم تكن مستعجلة لتشكيل حكومة للتعامل مع الحالة الطارئة، ولبنان بقي بدون حكومة حتى وقت قريب.

النخب السياسية نفسها لديها تجارب مختلفة مع الأزمة، ببساطة هم لديهم سيولة كبيرة بالعملة الأجنبية قاموا بتحويلها للخارج في بدايات الأزمة. أعضاء من حزب بالله  لديهم خط من العملات الصعبة من إيران الى الولايات المتحدة الامريكية.

نظرياً، الكثير من هؤلاء سيجنون مزيداً من الأموال إذا أعيد تنشيط الاقتصاد، ولكن منذ ان بدأت المطالبة بإصلاحات تقوض مراكزهم، فضلوا حالة الستاتيكو هذه وهم مرتاحون لهذه الكلفة التي يدفعها البلد.

انفجار المرفأ كشف جذور الحكم العميقة في لبنان وهي الفساد وانعدام الكفاءة، وهذه الخصائص مشتركة بين جميع الأفرقاء، وهي التي تسببت بتلك الكارثة. الجماهير طالبت بتدحرج الرؤوس بسبب الانفجار، والاشتباكات الأخيرة في “الطيونة” هي بالأساس متعلقة بالحقيقة في التحقيقات التي تعمل على كشف المسؤولين عن ذلك الانفجار.

الكثير يشككون بالقصة المتداولة عن نيترات الأمونيوم، والتي كانت في طريقها لأحد التجار في الموزانبيق، وأنه تم تفريغها في مرفأ بيروت لأسباب قانونية. هناك اعتقاد متنامٍ بأن حزب الله متورط بهذه المواد وتوزيعها لاستعمالاته الخاصة، أو لتصديرها لنظام الأسد في سوريا. هذه واحدة من عدة نسخ من الرواية التي لم يكشف عن تفاصيلها بعد، وبالتحديد بسبب عدم سماح النخب السياسية اللبنانية للتحقيقات القضائية بأن تأخذ مسارها الطبيعي.

إصرار حزب الله على تنحي القاضي المسؤول عن التحقيقات يُخفي شكوكاً حول دوره في تلك الكارثة.

ولكن في حال سُمح للعملية السياسية بأن تُستأنف بشكل طبيعي، فإن مسار المحاسبة يمكن أن يطال بعض الشخصيات المسؤولة في الحياة السياسية اللبنانية. وهذا ما يفسر لماذا كان السياسيون اللبنانيون بحالة جمود خلال السنة الماضية، ولماذا كثير من أعضاء الحكومة راضون بهذا الجمود، على الرغم من أن عائلات لبنانية بدأت تقتات من حاويات النفايات، وأن التيار الكهربائي منقطع بشكل شبه كامل.

فلبنان يستقبل نحو 1,5 مليون لاجئ سوري، بالاضافة الى 500 ألف لاجئ آخر من نزاعات أقليمية أخرى، ولا سيّما الفلسطينيون منهم، وهؤلاء يشكلون جزءاً من 7 مليون، هو التعداد الإجمالي للسكان في لبنان.

وبينما كان لبنان يتمتع بحقبة من الاستقرار النسبي، كانت سوريا تعيش أسوأ حقباتها، لكن الأزمة الاقتصادية والسياسية كانت تقرع الأبواب، وخصوصاً بالنسبة للاجئين.

وكالة الأمم المتحدة حذرت مؤخراً بأن 90% من اللاجئين في لبنان يعانون من فقر مدقع. بالأساس كان اللجوء هائلاً، ولكن الوضع الأمني تدهور، وأصبح أمراً محتوماً. ومع طرق أخرى تم إغلاقها في الدول المجاورة، الطريق الأفضل سيقود اللاجئين الى أوروبا.

وهذا ما يطرح السؤال التالي: هل تستطيع أوروبا استقبال مليون أو أكثر من اللاجئين. من الناحية الاقتصادية هي قادرة بالتأكيد. أوروبا هي مكان أفضل لاستقبال اللاجئين من لبنان، حتى حينما كان لبنان بأفضل أيامه. ولكن من الناحية السياسية، في عام 2015 شكلت موجة اللاجئين عدم استقرار هائل للمجتمعات والسياسات الأوروبية. لقد شكلت هذه الموجات دعماً كبيراً لليمين المتشدد والأحزاب النيو- فاشية على مستوى القارة، وعرضت النظام السياسي الليبرالي الديمقراطي للخطر.

ماذا سيحدث في حال هاجر مليون سوري جديد باتجاه الحدود الأوروبية، في موازاة تمدد الديمقراطية لتبدو وكأنها تقف أمام اليمين المتشدد؟

البرلمان الأوروبي يعمل لتجنب هذه الاحتمالية، وهذا ما يفسر الحزم الذي يتعامل به مع السياسيين في لبنان. بالطبع لبنان بحد ذاته يتحمل الضغط الهائل لاستقبل اللاجئين، ولكن هذا البلد بحاجة الى حكومة تسيّر الأعمال، وشعبه يستحق مستويات أفضل من المحاسبة على مستوى المسؤولين. وإذا كانت أوروبا تريد أن يبقى لبنان يستقبل هؤلاء اللاجئين، فهي بحاجة لتقديم الدعم له، ولكن هذا الدعم يجب أن يتوجه الى سياسيين كفوئين، وليس الى سياسيين مجرمين وسارقين.

الدول الأوروبية وفي مقدمتهم فرنسا، لديهم قوة تأثير على الطبقة السياسية في لبنان، على الأقل لأنهم يمكن أن يسرقوا في لبنان، ويصرفوا تلك الأموال في باريس أو ميلان، ويودعونها كذلك في حسابات وراء البحار.

ولكن الوضع يبقى غير مستقر. فليس جميع السياسيين يستجيبون للعقوبات بالطريقة ذاتها. المواجهة يجب أن تتوجه بشكل أكبر تجاه حزب الله الذي يستمر بدعم دمشق وطهران. وإذا شعرت قيادة حزب الله أنها ستدفع ثمناً كبيراً جراء انفجار المرفأ في بيروت، سيكونون أقل قلقاً من العقوبات الفرنسية، وأكثر قلقاً من احتمال عدم النجاة بأنفسهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى