مجتمع وميديا

إطلالة من “نافذة” أحمد كبارة على واقعنا المعاش

لبنان عربي – نبيل عرابي

 

شئنا أم أبينا، فإن مقولة “التاريخ يعيد نفسه في لبنان”، تنطبق على ما تتداوله وسائل الإعلام بكلّ أنواعها، ويعيشه الشعب اللبناني في تفاصيل حياته اليومية، والتي صارت تشهد انزلاقاً نحو الأسوأ بوتيرة متزايدة، مع كلّ إنبلاج فجر، وكلّ غروب شمس.

وما دفعني لهذا التمهيد هو ما اطّلعت عليه في كتاب عنوانه “النافذة”، صادر في العام 1997، وهو عبارة عن ثلاثماية افتتاحية ومقالة كتبها الراحل “أحمد ممتاز كبارة” على مدى ثماني عشرة سنة (1960– 1978)، في جريدة “التحرير” التي كان يملكها، ليعبّر من خلالها عن آرائه في مختلف المواضيع التي تهم الوطن والمواطن.

والجدير بالذكر أنّ صاحب الكتاب انتُخب رئيساً لبلدية “الميناء” في العام 1963، وبقي في هذا المنصب حتى العام 1975، وقد أصدر في العام 1988 كتاباً بعنوان “بلديّات” تحدّث فيه عن تجربته في رئاسة بلدية الميناء.

الكاتب الراحل أحمد ممتاز كبارة

وأوردُ هنا مقتطفات من “النافذة” مع تاريخ نشرها وأترك للقارىء المقارنة والحكم، مع الحسرة الدائمة بأن التاريخ في لبنان لا يعيدُ نفسه إلّا بكلّ ما هو قبيح وسيء على البلاد والعباد:

يذكر كبارة في مقالة له بتاريخ 4/2/1971 ما يلي: “فالغلاء، وإن لم يكن ابن ساعته، فهو ولا شك موضوع الساعة في كل بيت، ومأساته بين أفراد الطبقة الفقيرة بادية في أكثر من شكل ولون مؤثر”.

ويضيف في مقالة أخرى: “الغلاء الذي يشدّ اليوم في خناقنا، ويرمينا أفراداً وجماعات بسهامه الكاوية، وهو ليس ابن اليوم بيننا ولم يربَ يتيماً في أسواقنا. إنّه من مواليد لبنان ومن أبوين عريقين: الإقتصاد الحر السائب، والاحتكار السيد الثائر”.

ويقول في مقالة نشرها عام 1974: “لو جُمعت الكلمات وأُحصيت، وعُدّد مَن تناول الغلاء بها نقداً أو درساً أو شرحاً في الصحف والكتب والمجلات وفي الأندية، لبلغ تعدادها أكثر من أرقام موازنة الدولة عن عام كامل، هذا طبعاً، عدا ما قالته الدولة نفسها عن الغلاء وفيه”، مضيفاً: “بدأت الآلام عند الناس تتزايد وخطر الدفاع عن النفس ضد الجوع والتجويع يتعاظم، لأن مفعول المسكّنات، كل المسكّنات بدأ يزول”.

ويطالب بتعرية المظاهر الزائفة في لبنان، بقوله: “نحن أحوج ما نكون في لبنان إلى تعرية العديد من المظاهر الزائفة والقضايا الملفقة.. تعرية المتسترين بالمال الحرام، والمقنّعين بوجوه الزعماء والنافذين، لينفذوا بها إلى غايات تبدأ بإحتقار الضعفاء وتنتهي بإحتكار قُوتهم والدواء والكساء”، في منشور له في العام نفسه.

ويتحدث في مقالته المؤرخة بـ 30 حزيران من العام 1974، عن إرتفاع الأسعار، فيستحضر واقعنا بكلامه “كل الأسعار عندما ترتفع لسبب ما سواء في بلد المنشأ أو في سوقنا المحلية، فإنها تستمرّ مكانها حتى لو عادت أسعار المنشأ إلى الانخفاض أضعاف ما كانت عليه قبل ارتفاعها، وبذلك يظل المتحكمون برقاب المستهلكين يجنون الأرباح الجنونية حراماً، فيما يظل المستهلك يدفع من دمه وأعصابه ومستقبل أسرته وأطفاله ضريبة لامبالاة الدولة ولا أخلاقية الجشعين غلاة نظام الإقتصاد الحر”.

ويسأل في أيلول 1974، “ماذا يفيد طالما أنّ شعارنا السائد اليوم “درهم مال خير من قنطار أخلاق”، وأنّ البطل في عالم اقتصادنا الحر هو مَن يقول:”دعِ الأخلاق تنعي مَن بناها”!!.

ونقتبس منه عن نوابنا اليوم ما قاله عن نواب زمانه، في مقالة له نشرت عام 1975، يقول كبارة: “الأخوة النوّاب، المفروض بأنّهم يمثلون شعب لبنان ويعالجون كلّ مشاكله وقضاياه.. والمفترض أيضاً أن يسنّوا ويشترعوا القوانين ويستنبطوا كل ما من شأنه خلق فرص مواتية للدفع بدم جديد وكثيف في أوردة إقتصاد البلد ومشاريعه.. ماذا فعلوا جميعاً؟؟ الجواب: لا شيء سوى الأمل والرجاء”.

ألسنا فعلا نعيش ما عاشه؟ أليس التاريخ يعيد نفسه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى