مجتمع وميديا

المركزي يفضح شركات الأدوية: اعتماداتهم فاقت المليار دولار… فأين الدواء؟

لبنان عربي – عتاب أبو زكي

خبر صغير بالكاد يتألف من عدة أسطر، مجهول المصدر، يتم تعميمه على وسائل التواصل الإجتماعي، خاصة مجموعات الواتساب، كفيل بإثارة هلع المواطنين في لبنان، وإيجاد طلب وهمي وكثيف يرفع بالسلعة محور الإشاعة الى صدارة إهتمامات وسائل الإعلام والرأي العام.

هذا هو حال كل السلع في لبنان، والأدوية من أبرزها، فلا تكاد تمر فترة زمنية حتى يُعاد تفعيل أزمة الادوية من جديد، فيبدأ اللبنانيون بالتهافت على الصيدليات، والتسابق فيما بينهم من صيدلية الى أخرى، في محاولة للحصول على الأدوية، وتخزين البعض منها إن أمكن.

المبرر الدائم للهمروجة الإعلامية حول الدواء هو رفع الدعم، هذا البعبع الذي يؤرق اللبنانيين ويقض مضاجعهم، ويتحسبون لليوم الذي سيُتخذ فيه منذ ما يزيد على السنة.

فمن هي الجهة التي رمت هذه القضية في الفضاء الإعلامي في عطلة عيد الفطر؟ ولماذا تصدر التقارير الإعلامية حول هذه القضية بعناوين مخيفة ومرعبة؟ ولماذا يتصدر المشهد الدوائي نقيب الصيادلة ونقيب مستوردي الأدوية دوناً عن غيرهم؟

تغيب هذه التساؤلات في حمأة الصراع الحياتي المحموم لتأمين الأدوية، لكن الأجوبة عليها كفيلة بإلقاء الضوء على حقيقة الأزمة.

دأب الصيادلة منذ فترة طويلة على الشكوى من شح الأدوية، وسياسة التقطير المتبعة من قبل الشركات المستوردة التي تسيطر على السوق الدوائي، وترافقت الشكوى مع محاولات خجولة من قبل البعض لتأسيس تجمع نقابي بديل.

وصدرت مؤخراً دعوات عن صيادلة في بعض المناطق للإضراب والإمتناع عن العمل بسبب شح الدواء.

وفي كل مرة يتحرك فيها الصيادلة، يقوم أصحاب الشركات المستوردة “بالقوطبة” على التحرك عبر أذرعهم الطويلة المتغلغلة في الوزارات وإدارات الدولة، وفي الاعلام، فتتحول القضية من إستبدادية الشركات الى فقدان الدواء بسبب تأخر مصرف لبنان في إنجاز معاملات الإستيراد المدعومة.

وهنا يجب ان يتضح للرأي العام أن الشركات المستوردة للأدوية لديها نفوذ هائل. فهي شركات عائلية عمرها عشرات السنين، لا يقتصر نشاطها على سوق الأدوية، بل يتعدى نشاط هذه العائلات السوق الدوائي الى قطاعات عديدة، ولديهم شركات كبرى في الدول العربية. وتهيمن هذه العائلات فعلياً على الإقتصاد اللبناني وتتحكم في مساره، وتعد ممولاً رئيسياً ومعلناً كبيراً وراعياً لأغلب المؤسسات الإعلامية، لذا هم بعيدون عن تصويب الاعلام، وعن الحملات “الفضائحية” التي تقوم بها بعض وسائل الإعلام.

يقبعون في الظل ويتحكمون في مسار الحملات الإعلامية والتقارير الصحافية ويوجهونها الى الجهة التي يريدون… وقضية الأدوية مثالاً حياً على نفوذهم وقدراتهم البالغة

.

جوهر الأزمة في جشع اصحاب الشركات

فالصيادلة يشتكون من تقنين الأدوية، وعدم إكتراث الشركات المستوردة بهم أو بالمواطنين، في حين أن نقيب الصيادلة الذي ينتقل من شاشة الى أخرى يتحدث في أمور أخرى بعيدة تماماً عن جوهر الشكوى.

يكرر النقيب غسان الأمين الحديث عن إغلاق الصيدليات والذي يعود برأيه لإنخفاض جعالة الصيادلة! كما يتحدث عن إقتراحات ترشيد الدعم التي تم التداول بها في الإجتماعات التي عقدت لهذه الغاية منذ بداية الأزمة دون أي أفق أو جدوى، ولا يتطرق الى تحكم الشركات المحتكرة إلا لماماً مع أنه بيت القصيد.

والنقيب الأمين هو واحد من هؤلاء المحتكرين، فهو يمتلك شركة لبيع الأدوية، وبالتالي هو يعبر عن مصالحهم، كالناطق الرسمي بإسم هذه الشركات النقيب كريم جبارة. والإعلام لا يستضيفهم الا لأنهم يعبرون عن مصالح المحتكرين، ومن أجل تسميم الرأي العام، وحرف أنظار اللبنانيين عن أصل المشكلة نحو أمور أخرى.

ولنا فيما حدث في الأيام القليلة الماضية خير دليل. فمنذ بضعة أيام، صدر عن مصرف لبنان تقرير هام يدحض إدعاءات المحتكرين وممثليهم الذين يتنقلون بين وسائل الإعلام المختلفة.

فقد بين التقرير أن حجم إستيراد الأدوية قد إزداد عن الشهور الخمس الأولى من السنة الماضية بقيمة ناهزت الـ500 مليون دولار!! ولا يوجد دليل أوضح من هذا التقرير يبين فيه كذب الشركات المستوردة، وتلطيها خلف ذريعة بطء مصرف لبنان، في الوقت الذي تقوم به بأبشع عملية إذلال للبنانيين عبر تقطير بيع الأدوية.

ولقد كشف رئيس لجنة الصحة النيابية عاصم عراجي، ان مصدرا من المصرف المركزي أبلغه ان قيمة الفواتير المدفوعة من قبل مصرف لبنان لأصحاب الشركات تبلغ نحو 485 مليون دولار، بالإضافة إلى وجود ملفّات استيراد حالياً قيد الدرس بقيمة 535 مليوناً، أي ان مصرف لبنان دفع حوالي مليار دولار ثمن الادوية غير الموجودة في السوق اللبنانية والتي يتم تهريبها عبر اصحاب الشركات والوكالات الى الخارج.

مليار دولار من الإحتياطي النقدي من العملات الأجنبية لمصرف لبنان حُرم منها اللبنانيون لصالح جيوب أصحاب الشركات المستوردة، والمبلغ سيزداد حكماً حتى نهاية السنة. وعلى الرغم من عظم الفضيحة، لم تقم وسائل الإعلام اللبنانية على تنوعها بالتطرق اليها إلا لماماً!

أين الاعلام من هذه الأزمة؟

ترى هل شاهد اللبنانيون تقريراً أو تحقيقاً إعلامياً يغوص في تفاصيل إحتكار الشركات وإمتناعها عن تزويد الصيدليات بالأدوية من أجل تخزين جزء منها، وتصدير الجزء الآخر الى الخارج بهدف جني أرباح هائلة؟

هل قرأ اللبنانيون مقالاً أو تحقيقاً شاملاً عن كيفية غزو الأدوية التي يتم شراءها بدولارات مصرف لبنان للأسواق العربية؟ اساساً هل يعرف اللبنانيون من هم أصحاب هذه الشركات؟ في الغالب لا.

هلّا علمنا ما هي نتائج مداهمات وزير الصحة لبعض المستودعات؟ لاشيء، مجرد وسيلة للضغط عليهم من قبل الجهة الراعية للوزير بغية الشراكة معهم، أما المحاضر التي تم تسطيرها بحق بعضهم، فهي لذر الرماد في العيون ونكاد نجزم بأن معظمها لم يتم تسديده.

وبعد كل هذا الصخب والضجيج حول الأدوية ماذا حدث؟ تهافت اللبنانيون على الصيدليات للتموين الدوائي، مثلما يحدث في كل مرة، ولا يزال الأمر مستمراً حتى كتابة هذه السطور، فالخوف من المستقبل الغامض، وإنعدام الثقة بالدولة، يدفعان اللبنانيين الى تصديق هذه الحملات، مع أنهم لو عادوا بذاكرتهم قليلاً الى الوراء، أو قاموا بتشغيل محرك البحث على هواتفهم عن قضية الأدوية، لوجدوا نفس العناوين المخيفة والأشخاص عينهم الذين يتم إستضافتهم في الإعلام، يتكرران في كل مرة يتم إثارة هذا الموضوع منذ أواخر العام 2019.

فهل سيأتي يوم يتم فيه الإضاءة على أصحاب الشركات العائلية التي لا تزال تراكم الأرباح وبأخبث الطرق في ظل اسوأ أزمة في تاريخ لبنان؟ يكاد الأمر يبدو مستحيلاً!!…

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى