مجتمع وميديا

 ثلاث وفيات واشتباك سياسي… هل اقتربنا من الانفجار الاجتماعي؟

لبنان عربي – جواد العلي

مع كل أسبوع تقريباً، تدخل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان مرحلة جديدة، أشد قسوة وسوداوية من سابقتها، كمؤشر طبيعي لما ينتظرنا في الأسابيع القادمة.

وفي تطور نوعي قاسٍ ومخيف في آن معاً، وكدليل على عمق المعاناة التي يتخبط بها اللبناني، سجل لبنان يوم الأحد الفائت ثلاث وفيات، في ثلاث مناطق مختلفة، ومن ثلاث فئات عمرية، ولثلاثة أسباب مختلفة، يجمع بينها الأزمة الاقتصادية وانقطاع السلع الحياتية الأساسية، الكهرباء والماء والدواء.

ففي بلدة عانوت في اقليم الخروب، توفيت طفلة بعمر الورود، وهي “جوري مازن السيد” ذات العشرة أشهر. يقول عم جوري في تصاريح لوكالات أجنبية ووسائل إعلام محلية، أن “جوري” كانت تعاني من التهابات رئوية، ولم يستطع والداها تأمين الدواء المناسب لها، بسبب فقدان الأدوية واضراب الصيدليات، وقد لجأ الأهل الى استخدام دواء بديل سبّب لها مضاعفات صحية استدعت نقلها الى مستشفى مزبود، التي لا يتوفر فيها قسم للعناية المركزة للأطفال.

لم يفلح الوالدان في تأمين سرير لطفلتهما في مستشفىً آخر، إلا بعد وقت طويل، وفي الطريق الى مستشفى حمود في صيدا، ارتقت روح “جوري” الى بارئها بسبب عدم قدرة هذا الجسد الصغير على الصمود.

وقد تناقلت بعض وسائل التواصل الاجتماعي، خبراً لم يتم التأكد منه أن سيارة الاسعاف التي كانت ستنقل “جوري” خالية من البنزين، مما استنزف المزيد من الوقت الثمين لتأمين سيارة أخرى!! في المحصلة اجتمعت كل أسباب الأزمة من فقدان الدواء والمحروقات والرعاية الصحية على هذه الطفلة البريئة وسلبتها من أحضان والديها المفجوعين.

وبعد سويعات قليلة، نعى أحد الشبان والده “بسام هدبا”، الذي كان يعاني من مرض في رئتيه ويعيش على آلة الأوكسيجين، والتي بدورها تحتاج الى الكهرباء الغائبة بشقيها الرسمي والخاص، حيث لا كهرباء ولا مولدات.

لم ينجح أولاد “الحاج بسام”، رغم كل المحاولات الذي بذلوها، في تأمين الكهرباء والحؤول دون وفاة والدهم.

ثم بعد ذلك، أُسدِل الستار على هذا الأحد الأسود بسقوط الشاب عمر جيلاني من على سطح المبنى الذي يقطن فيه في بيروت، أثناء تفقده خزان المياه، التي شحت نتيجة غياب التيار الكهربائي.

هذه الوفيات هي أول الغيث، ومن الصعوبة بمكان تخمين المدى الذي يمكن أن تصل اليه أزمة انقطاع السلع الأساسية، لا سيما مع عودة ارتفاع أعداد المصابين بفيروس كورونا في الأيام القليلة الماضية على وقع المتحورات الجديدة للفيروس، حيث تظهر الخشية من حدوث تفشٍ مجتمعي لفيروس كورونا، تكون نتيجته وفاة عدد كبير من اللبنانيين وانهيار تام للمنظومة الصحية المترنحة مع هجرة الأطباء والممرضين وانقطاع الكهرباء والمازوت والأدوية.

المؤسف، أن أحداً من أهل السياسة لم يهتم لـ”وفيات الأحد”، فالصراع بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل، والبيانات النارية المتبادلة بينهما أهم بكثير من أرواح اللبنانيين.

هؤلاء وغيرهم من أهل السلطة، لا يكترثون للوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يرزح تحته اللبناني، هم يحضّرون للانتخابات النيابية القادمة التي ستكون محطة أسياسية في مسيرتهم السياسية، فلا ضير ان تيتّم ولد، أو مات سند البيت، أو رمّلت عروس جديدة، المهم أن لا يتنازل جبران ولا يفرّط “بي الكل” بصلاحياته، وأن لا يخيّب سعد ظن السنة فيه.

ولو أدى ذلك، الى موت كل اللبنانيين وتشريدهم وتهجيرهم وتفقيرهم، وهو المرجح أن يحدث في الأشهر القادمة، طالما أن الكل في اجازة عن اجتراح الحلول للأزمات المستفحلة.

في ذكرى المئوية الأولى لتأسيس دولة لبنان الكبير، يبدو أن لبنان يتجه بخطىً حثيثة نحو انفجار اجتماعي، شبيه بالمجاعة التي ضربت جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى من حيث أعداد الوفيات الضخمة وكذلك الهجرة الجماعية لأبنائه، إلا إذا أنقذته العناية الالهية التي أصبحت اليوم الأمل الوحيد لخروج لبنان من هذه المحنة العصيبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى