مجتمع وميديا

رمضان: مدرسة في أدب الاختلاف

لبنان عربي – الشيخ ماجد الدرويش

 

لن أخوض في  الفروقات اللغوية بين مصطلحي (الخلاف) و(الإختلاف)، لأن المقصود الذي أرمي إليه واضح، وهو: الآداب التي يجب أن يتحلى بها المرء عند الإختلاف والخلاف مع الآخرين.

وهذه الأخلاق إنما تَبرز عن التفاوت في وجهات النظر، وليس عند الإتفاق، ففي حالات الإتفاق تكون النفوس مرتاحة إلى الأفكار والأحكام المطروحة، وذلك بسبب الموافقة. من هنا كانت آداب النفوس تظهر عن المخالفة.

وكيفما كانت المخالفة فينبغي أن لا تُخْرِجَ صاحبها عن حد الأخلاق في الخطاب وإطلاق المواقف، حتى في مواقف المفاصلة، ومن أراد أن يعرف كيف يكون الالتزام الخلقي عند المفاصلة فليقرأ حوارات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، وليتفكر في جواب سيدنا  هود عليه السلام لقومه، وهو يقول لهم: “يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين”.

وليتصور أحدنا بعد ذلك كم كانت نفس سيدنا هود عليه السلام مطمئنة، وكم كان يتمتع برباطة جأش عالية،  ليرد على شتائمهم واتهاماتهم له بهذا الخطاب السلس، الذي ينم عن خلق رفيع عند المفاصلة، ونحن مأمورون باتباع هذا الهدي مع الناس ﴿أولائك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾، فما بالكم عندما يكون الخلاف مجرد وجهات نظر في أمر يحتمل وجوها عدة؟!. أليس قد علمنا نبينا عليه الصلاة والسلام أنه من الممكن شرعا وعقلا صوابية الشيئين المختلفين؟ كما في حديث هشام بن عمار عند الإمام البخاري في قراءة سورة الفرقان على وجه يختلف عن الوجه الذي كان يعرفه عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، فلما رفع الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أقر كل واحد على قراءته، وقال: “إنما أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه”، فقال الحافظ علي بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في شرحه: “وإنما قال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يُنكَرَ صوابية الشيئين المختلفين”.

فنع، قد يكون هناك حكمان شرعيان مختلفان وكلاهما صواب، وعليه فلا يجوز لمن تبنى وجهاً واحداً أن يعنّف من تبنى غيره، كما لا يجوز له أن يتحامل على من اختار خلاف ما عنده، ورحم الله أمير المؤمنين في الحديث القائل: “إذا رأيت الرجل يعمل الذي اختُلِفَ فيه وعندك غيره فلا تنهه عنه”. إنها أخلاق ينبغي أن نتخلق بها عند الاختلاف في الأحكام الشرعية المعتبرة .

مدرسة الأخلاق في الصوم

والصوم عبادة لها سبب هو رؤية الهلال الذي جهل علامة على دخولها في الذمة،  ومعلوم ما في مذاهب الأئمة من اختلاف فيه، حتى إن الإمام الشافعي رحمه الله أجاز اختلاف المطالع، فقد يصوم قوم في يوم بحسب رؤيتهم، ويصوم آخرون في يوم آخر. والكل على صواب .

بل قد يقع الخطأ في يوم زيادة أو نقصانا فيغتقر مع الجماعة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذي، وحسنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون”. قال الترمذي رحمه الله: “وفسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس”.

ونحن ينبغي أن نلاحظ أن الفقه إنما جاء لينظم حياة الناس لا ليصيبها بالعنت والمشقة، لذلك قال تعالى “ما جعل عليكم في الدين من حرج”، فلا يجوز أن يجعل الفقه سببا لإعنات الناس واتهامهم، وأن يتخذ وسيلة لإطلاق إحكام الضلال والخروج عن الدين عليهم.

إن الكثير من الأحكام الشرعية تتردد فيها الأنظار، وبالتالي فلا يجوز أن يكون هذا سببًا للتهمة، وإنما يسعنا فيه ما وسع أئمتنا في أنها أمور تدور بين الخطأ والصواب. فمن أخطأ في اجتهاده، مع أهليته للاجتهاد، وهو صادق النية، مأجور مرة، ومن أصاب  فهو مأجور مرتين. وحتى الميزان الذي نزن به الخطأ والصواب هو ميزان اعتباريٌّ تتردد فيه الأنظار، وهذا كله يدفعنا إلى إعذار بعضنا بعضًا، فالمؤمن العالم بحقيقة الشريعة ومآخذها تسبق الأعذار عنده تهمة الناسِ، وقد جاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال لأبي قِلابة الجرمي – وكان من الأبدال -: “لن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً كثيرةً، ولن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ثم تقبلَ على نفسك فتكون لها أشدّ مقتًا”. ( الجامع لمعمر بن راشد 11 / 255 ). وشرحه أهل العلم بأنه يرى للآية الواحدة أكثر من معنى فيهاب الجزم بوجه منها ونفي الوجوه الأخرى.

وهذا قمة الدين والتواضع والورع. وهكذا ينبغي أن نكون.

فهل يا ترى سنستفيد من دروس رمضان في أدب الخلاف؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى