مجتمع وميديا

في رحيل عدنان الشرقي… مَن ينصف أسطورتنا الكروية؟

لبنان عربي – سامر زريق
عقب مباراته الأخيرة في الدوري الانجليزي لكرة القدم، قام لاعبو فريق ليفربول برفقة المدرب وأعضاء الجهاز الفني بالتجوال على أرض الملعب لتحية الجماهير المتواجدة على مدرجات الانفيلد (معقل فريق ليفربول)، وهي من العادات القديمة جداً والمتوارثة في مجتمع كرة القدم الإنجليزي العريق، وذلك بهدف تنمية الروابط العاطفية بين الجمهور واللاعبين وشد عُراها.
ومن بعدها أقام اللاعبون والجهاز الفني ممراً شرفياً، وهو عرف إسباني يقضي بوقوف اللاعبين في صفين متقابلين، قرب ممر خروج ودخول اللاعبين الى الملعب، لتحية الفريق الخصم الفائز باللقب المتنافس عليه.
لكن فريق ليفربول في ذلك اليوم أقام ممراً شرفياً ليس لتحية الفريق المنافس، بل من أجل تحية أحد لاعبيه المغادرين، والأهم والمفاجئ في الوقت عينه، لتكريم موظف بسيط قضى في خدمة النادي أكثر من خمسين عاماً، لمناسبة تقاعده.
غراهام أثناء مروره بين اللاعبين
يتعلق الأمر بـ”غراهام كارتر”، الذي بدأ العمل في ليفربول منذ عام 1970 كسائق للمدربين، ومن ثم أصبح عام 1999 المسؤول عن قمصان الفريق في المباريات والتدريبات.
وقد تلقى كارتر توديعاً رائعاً على أرض الملعب من الجماهير واللاعبين الذين صفقوا له بحرارة، وقدم له أحد الإداريين لوحة “حائط الأبطال”، تتضمن كل الألقاب المحلية والأوروبية التي حصل عليها النادي.
هذا التكريم الإستثنائي لموظف ربما كان أغلب الحاضرين في الملعب لا يعرفون اسمه او وظيفته، حظي بتقدير وثناء وسائل الإعلام و المتابعين لكرة القدم في أرجاء المعمورة، في تأكيد جديد على أن كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، فهي قبل كل شيء منظومة أخلاق وروابط إنسانية عميقة، لذلك تعد اللعبة الشعبية الأولى في العالم وتتربع على عرش أفئدة الفقراء.
الأسطورة عدنان الشرقي

لم يمر وقتاً طويلاً على هذا التكريم، حتى رحل عن عالمنا رجل يعد من أساطير كرة القدم في لبنان، وأحد العظماء الذين تنتظر الشعوب قروناً كي يجود الزمان بمثلهم مرة أخرى. إنه الحاج عدنان مكداش الملقب بـ”الشرقي”.
رجل أفنى حياته، طفولته وصباه وشبابه، وحتى آخر أيام عمره في ملاعب كرة القدم.
لم يكن الحاج عدنان مجرد لاعب موهوب ومميز، أو مدرب محنك حصد ألقاباً تعدادها يحتاج الى صفحات، لقد كان الحاج عدنان فيلسوفاً كروياً، وعبقرياً صنع توليفة من لاعبين مغمورين تحولوا على يديه الى نجوم متلألئة في سماء كرة القدم، وصانع مجد فريق الأنصار.
فلا يمكن التفريق بين الأنصار والحاج عدنان فهما واحد، فالشرقي كان من المؤسسين لهذا النادي، وعمل وكدّ واجتهد ثمانية وثلاثين عاماً في السهر على تطوير الفريق، ونقله من شوارع وأزقة “الطريق الجديدة”، الى رحاب الوطن على امتداده من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، ومنها الى العالمية، حيث أثمر زرع الحاج عدنان القاباً وإنجازات وأرقاماً قياسية، سُجلت بأحرف من ذهب في موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية.
لقد صنع الحاج عدنان مجداً كروياً لفريق الأنصار، وهوية لمنطقة كاملة هي “الطريق الجديدة”، وأبى أن يأخذ مقابل كل الجهد الخرافي قرشاً واحداً، فالأب لا يتقاضى مالاً من عائلته وأبنائه. فالأنصار بالنسبة اليه روحه وحياته، واللاعبون أبناءه وأبناء “الحي”.

يحق لـ”الطريق الجديدة” أن تفتخر بابنها البار الذي ما برح أزقتها ودروبها التي حفظته عن ظهر قلب، ولا ملعبها الذي لا زال يجلجل صوت الشرقي في أرجائه الخاوية. يستحيل أن تجد أحداً من أبناء المنطقة لا يعرف الشرقي، وأين يقيم، وكيف يمضي يومه.

رجل أحبه خصومه في الكرة كما أبناءه ولاعبيه، عشقته الجماهير وتغنت باسمه، صاحب لهجة بيروتية محببة، وإبتسامة لا تغادر محيّاه، ونبع ثقافة لا ينضب في شتى ميادين الحياة. الجلسة برفقته لا يمكن أن تُقاس بالزمن، فأنت تجلس أمام رجل في موسوعة، وموسوعة في رجل.
ولقد كان من آخر إنجازات الحاج عدنان، كفاحه للإبقاء على ملعب بيروت البلدي ومنع إزالته من أجل إقامة موقف للسيارات! فبيروت البلدي ليس ملعباً لكرة القدم فقط، إنما هو شريان حياة وقلعة وعبق تاريخ.
رحل الحاج عدنان الشرقي عن دنيانا الفانية جسداً، لكن العظماء لا يموتون، هم خالدون بأعمالهم وإنجازاتهم التي سطّروها وصارت تاريخاً الى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وما يحزُّ في القلب أن الحاج عدنان لم يحظ بالتكريم الذي يستحقه في وطنه، حتى أن الأوسمة والنياشين التي أغدقها رؤساء الجمهورية المتعاقبين يمنة ويسرة، لم ينل حظاً منها، مع أنه الأكثر إستحقاقاً لها بما قدم من عطاءات وإنجازات، رفعت اسم لبنان عالياً.
هو الذي كرّم مرتين، كانتا على الصعيد الآسيوي، الأولى عام 1995 كأفضل مدرب في قارة آسيا، والثانية بعد قيادته فريق الأنصار الى تحقيق أحد عشر لقباً متتالياً في الدوري المحلي، أدخلته موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية، ما دفع الاتحاد الآسيوي للعبة لتكريمه في العاصمة الماليزية “كوالالمبور” في أيار 2009، من قبل الرئيس السابق للإتحاد الآسيوي القطري محمد بن همام الـعبد الله.
هذه المشهدية المتناقضة بين فريق إنجليزي يكرم موظفاً بسيطاً، وبين “أيقونة” كرة القدم في بلد لا يقيم وزناً الا لأساطير خشبية وهمية، وتُعتبر الرياضة فيه مجرد ترفيه، تجعلنا ندرك تماماً لماذا بريطانيا دولة متقدمة و”عالم أول”، ولماذا بلدنا بلد متخلف و”عالم ثالث” وربما أقل من ذلك.
فكم من القامات الوطنية والشخصيات التاريخية التي انزوت وعانت من القهر والإهمال واللامبالاة، ورحلت عن عالمنا بصمت دون أن تنال حقها من التكريم في وطن بائس ومنهك، يتنكر لأبنائه ولمن صنع له مجداً ورفعة.
ملعب الشرقي البلدي؟
يجتهد اليوم أبناء الوسط الأنصاري والكروي عامة، من أجل إطلاق اسم الحاج عدنان الشرقي على ملعب بيروت البلدي، وهو أقل ما يمكن تقديمه لهذا الرجل العظيم، عسى أن يحمي اسم الحاج عدنان هذا الصرح من الهدم والإندثار.
لكن تكريمه لا يجب أن يقتصر على ذلك، ويتوجب على رئيس فريق الأنصار الشاب والطموح، وإدارته، تخصيص ركن كامل في مقر النادي، قرب الكؤوس التي يذخر بها، يُطلق عليه اسم الحاج عدنان، ويتضمن صوراً له في جميع مراحل حياته الكروية، وهو يحمل الكؤوس، ويُرفع على أكتاف الابناء إحتفاءً وفخراً، وصنع شريط فيديو خاص به، لتاريخه والقابه وإرثه يتم بثه في “زاويته”، على أن يُفتح المجال أمام الجمهور للدخول الى مقر النادي وزيارة معرض الألقاب وركن الحاج عدنان.
ومن ثم، يجب على إدارة فريق الأنصار وعلى كل الأنصاريين أن لا يدخروا جهداً لتسويق الركن الخاص بالحاج عدنان وحث الناس على زيارته، فهو هوية النادي وعزه وفخره.
وكم جميل أن نجد من ينبري لصنع كتاب خاص عن الحاج عدنان ومسيرته وإنجازاته وإرثه، سيما أن رئيس النادي صاحب مطبعة، والحاج كان أيضاً صحافياً يمتلك أرشيفاً رياضياً ضخماً تحدث عنه أحياناً بنفسه، وبالتأكيد لن تمانع عائلته في أن يكون هذا الإرث مادة لخدمة كتاب عنه ومن أجله، يكون وثيقة للتاريخ، ونبراساً للأجيال القادمة.
عزاؤنا الوحيد نحن أحباء وعشاق الحاج عدنان أننا لم ندفنه في التراب، بل دفناه بعيداً في أعماق قلوبنا فهو المكان الذي يستحقه، وسنبقى نذكر كلامه وصراخه على أبنائه اللاعبين وتصاريحه ومقابلاته ونوادره وقفشاته، ونفتخر بأننا عشنا زمن الحاج عدنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى