محليات

التجارة بلقاحات كورونا: “الدولة المالية العميقة” تضرب من جديد

لبنان عربي – سامر زريق

منذ ظهور أول لقاحات كورونا، وتوجه الشركات المصنعة الى حصر تسليمه للدول فقط دون الإستعانة بالكيانات الاقتصادية والشركات، بدأت في لبنان حملة إعلامية مناهضة لهذا المسار، وأخذت تتطور رويداً رويداً، بهدف إتاحة المجال أمام القطاع الخاص لإستيراد اللقاح.

الذريعة المستخدمة كانت بديهية: “فشل الدولة وترهل مؤسساتها وبطء اجراءاتها”، بيد أن ذلك لم يكن سوى “بارافان” يغطي الهدف الأساسي، المتمثل بنقل عملية إستيراد اللقاحات من “كنف” الدولة الى حضن القطاع الخاص والشركات العائلية التي تهمين على النشاط التجاري في لبنان منذ إعلان لبنان الكبير.

مضت عدة أشهر واجه فيها أركان “الدولة المالية العميقة”، صعوبة في تمرير القضية خوفاً من التذمر الشعبي الذي ارتفع وهجه، وكانت ميادين التواصل الإجتماعي تنم عن مدى الإعتراض الشعبي على قيام الدولة بمثل هذه الخطوة.

الى أن قدّمت منظمة الصحة العالمية، فرصة ذهبية لأركان “الدولة المالية العميقة”، عندما تلكأت في الإعتراف والتصديق على اللقاحين الروسي “سبوتنيك في” والصيني “سينوفارم”، لأسباب تتداخل فيها السياسة والتجارة والهيمنة على المنظمة الدولية نفسها.

عندها بات باب استيراد القطاع الخاص للقاحات كورونا مفتوحاً على مصراعيه.

اللقاح الروسي في لبنان

وصل اللقاح الروسي عن طريق أحد كبار اللاعبين في الدولة العميقة كابراً عن كابر، أي شركة “فارمالاين” التي يمتلك أصحابها شركات ومصانع لها حصص ثابتة وضخمة في الأسواق عامة، والطبية خاصة، وعلى سبيل المثال فإن دواء aspicot وهو دواء لتمييع الدم يستخدم بكثرة وسعره زهيد، تحتكره وتتحكم في الكميات التي تورّد الى السوق ذات الشركة التي ادخلت اللقاح الروسي الى لبنان.

وصل اللقاح الروسي وتم الإحتفاء به بشكل مبتذل ومبالغ فيه، وتصوير المستورد على انه الوطني والحريص والضنين على مصلحة ابناء بلده، مع تأكيد وزير الصحة القاطع والحاسم على مجانية التطعيم.

لم تكد تمر سوى أيام معدودة حتى انتشرت عمليات بيع “سبوتنيك في” وبكثافة، والحجة جاهزة: “كي تتمكن الشركات والكيانات الإقتصادية من تلقيح موظفيها”.

وخلف هذه الستارة السميكة من الأعذار، تم بيع العشرات من جرعات اللقاح الروسي، حتى انه بات معروضاً ومتاحاً لأي لبناني مقابل بدل يصل الى ٣٨ دولاراً للجرعة الواحدة وفق سعر الصرف في السوق الموازية، يضاف اليه بدل الخدمة! في حين أن بلد المنشأ يبيعه ب١١ دولاراً فقط!!

موقف اللجنة العلمية

من جهة ثانية، شكل موقف رئيس اللجنة العلمية للقاح في لبنان الدكتور عبد الرحمن البزري، الذي بقي مصراً على مجانية اللقاحات، مصدر إزعاج رئيسي لهؤلاء، لأنه يسهم في تخفيض نسب المبيع لديهم، إلا أنهم وجدوا حلاً التفافياً تسويفياً للموضوع، عُبّرَ عنه بتأليف لجان متعددة بصلاحيات متداخلة، تصطدم ببعضها وتعرقل نفسها بنفسها، حيث تم تأليف لجنة “لمتابعة تنفيذ اللقاحات” تتألف من ممثلين عن القوى السياسية لضمان عدم انتاجيتها وهذا ما حصل.

استيراد اللقاح الصيني

وبعد أن نجحت “الدولة المالية العميقة”، في حرف الأنظار عنها، وتوجيهها صوب صراع العلماء واللجان، بدأ استيراد اللقاح الصيني “سينوفارم”، ومن ثم مؤخراً تم التعاقد لاستقدام لقاح روسي اخر هو “سبوتنيك لايت” الذي يعد نسخة مخففة عن اللقاح الأول، ولا زال حديث العهد ولا تتوافر نتائج ودراسات علمية موثقة حوله حتى في روسيا نفسها!

واللافت في عملية استيراد “سبوتنيك لايت”، هو ورود إسم إحد المستشارين الأساسيين للرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، وهو ما يعد حضوراً جديداً على ساحة التجارة الطبية له، أو محاولة لزج إسمه في ملفات لا علاقة له بها لإستهدافه سياسياً.

سر الدولة المالية العميقة

ما جرى في ميدان اللقاحات ضد الكورونا رغم حساسية القضية، هو نموذج لما يحدث في مختلف القطاعات الاقتصادية، ويؤكد سيطرة “الدولة المالية العميقة” على النشاط التجاري في البلد بشكل لا يتيح أي هامش ولو ضئيل لمؤسسات الدولة بالعمل، فأي نشاط تجاري من الممكن أن يدر ارباحاً يتم انتزاعه عبر طرق ملتوية من يد الدولة ويمنح الى القطاع الخاص الذي يحتكر ويستورد ويسعر ويبيع دون أية رقابة.

وللمفارقة أن هناك ندرة في إنتقاد “الدولة المالية العميقة” والتصويب عليها، لأنها تستتر خلف سياسيين واحزاب واعلام وقوى مجتمعية وحتى رجال دين احياناً، تجمعهم المصلحة المالية ولا يفرّقهم الإستثمار بصحة الناس.

والملفت أيضاً، أنه وعلى الرغم من كل التطورات التي حدثت في لبنان خلال مئويته الأولى، كالإنتداب الفرنسي والإنتشار الفلسطيني والحرب الأهلية وما نتج عنها من ميليشيات الأمر الواقع، والجيش السوري وصولاً الى مرحلة هيمنة حزب الله، بقيت الشركات العائلية المتوارثة من جيل لآخر مسيطرة على مجمل النشاط الاقتصادي في لبنان وتتحكم في تدفق البضائع الى الأسواق المحلية وكذلك في سعرها، الأمر الذي أتاح لها تحقيق عوائد مالية ضخمة.

واليوم تستمر “الدولة المالية العميقة” في النسج على ذات المنوال، لا الإنهيار النقدي، ولا الأزمة الإقتصادية والإجتماعية، ولا جائحة كورونا استطاعت التخفيف من تغولها أو جشع أركانها. ولا يبدو أن هناك امل في حدوث ذلك مستقبلاً، فمن لم يتأثر بكل ما تقدم ويمعن في الضغط على العملة المحلية غير آبه بانهيارها ويتاجر حتى بلقاحات مخصصة لمكافحة وباء أرهق البشرية جمعاء ماذا يُنتظر منه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى