محليات

القلم الحر يُوجِع..من هدّد بركات؟!!

لبنان عربي

ليس مُفاجئاً التهديد الذي تعرض له الزميل محمد بركات، مدير التحرير في موقع “أساس ميديا”، فهو أمر متوقع، في ظل السعي الممنهج لطمس أي معالم لحرية الرأي والتعبير في بيروت، وما اغتيال لقمان سليم عنا ببعيد.

وصحيح أن الشخصان اللذان نقلا رسالة التهديد الى عمة بركات لم يعرّفا عن نفسيهما، لكن لا يحتاج المرء الى الكثير من الجهد الفكري لمعرفة من المُرسل، وهو ما لمّح إليه بركات نفسه في مقابلته التلفزيونية السبت الماضي.

فالتهديد حمله رجلان الى منزل عائلة بركات في بلدة “رب ثلاثين” الحدودية، وهي منطقة أمنية لا تبعد عن حدود فلسطين المحتلة سوى كيلومتر واحد فقط، ومعروف من يمكنه التحرك هناك، وأن يهدّد ويتوعّد، ومن ثم يلّوح بيديه ويذهب بكل هدوء.

الخطير في الرسالة أنها ليست من الجمهور، الذي اعتاد بركات على تحرّشاته وأَلِفَ طُرُقها وأساليبها، بل هي من مستويات أعلى من ذلك بكثير، حسبما يدلُّ الشكل والأسلوب، بحيث بات القاتل يجاهر في التحضير لفعلته غير آبه لا بدولة ولا بمن يحزنون.

واللافت أن الرسالة وجِّهت عمداً في تلك البلدة التي تُعتبر من خطوط المقاومة الأولى، وتحتلّ مكانة كبيرة في الذاكرة التاريخية النّضالية والمقاوِمَة للجنوب، منذ وقوع النكبة عام 1948، ولم يتمّ توجيهها بالمباشر الى الصحافي بركات، في مكان سكنه أو عمله في بيروت، مع أن ذلك عمل يسير على من يغتال بسهولة كل من يزعجه.

ومع أن بركات صحافي لا يملك سلاحاً سوى القلم الحر، إلا أن لهذا السلاح قدرة هائلة على تنوير العقول التي أظلمت بفعل فاعل، والقلوب التي ضُرِبَتْ عليها الأقفال الغليظة.

وهذا القلم الذي يستخفّ به الكثير من الناس، نُخباً وجمهوراً، هو أكثر ما تخشاه الأحزاب الشمولية والأنظمة التوليتارية. فهؤلاء لا يخشون السلاح ولا الإرهاب، بل يتمنّون في سرّههم أن يقوم كل خصومهم بامتشاق السلاح كي يتخلّصوا منهم دفعة واحدة، فذاك ملعبهم ومعبدهم ولا جدال.

ذاك القلم الحر والجريء، كان السبب الرئيس لاغتيال سمير قصير وجبران تويني ومحمد شطح، الذين باغتيالهم كسروا ظهر قوى الرابع من آذار، وشلّوا عقلها، ومن ثم لحِقَهم لقمان سليم، والخوف كل الخوف أن يلحقهم اليوم آخرون.

ثم أليس من الغريب حقاً أن لا يتعرّض للتهديد والقتل طيلة عقد ونصف سوى الأقلام الحرّة التي تعارض هيمنة قوى محور الممانعة؟ أما صحافيي بلاط تلك القوى، الذين يسبّحون بحمدهم صُبْح مساء، فهم هانئون يعيشون حياتهم بالطول والعرض، ويهدّدون كل مخالفيهم بتحسُّسِ الرِقاب دون خوف أو وجل.

 

لا ريب أن محمد بركات أوجعهم وإلا لما كان وصله تهديد منهم وبهذا الشكل، ولا سيّما أنه شيعي، وهذه بحدّ ذاتها من الكبائر التي تستوجب إسكاته، فليس مسموحاً على الإطلاق لأي شيعيٍ بأن يُخالف الهوى الغالب بوهج السلاح وجبروته.

وقد سار على درب الجلجلة هذا زملاء بركات من الشيعة “الأحرار” الذين يرفضون الخضوع، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر نديم قطيش ورياض قبيسي، كما نذكر أيضاً أن الصحافي قاسم قصير الذي تعرّض لحملة تخوين رهيبة فقط لأنه تجرّأ وقال رأياً لم يعجب أصحاب السماحة، فناله ما ناله من الأذى المعنوي.

وما يجب التوقف عنده ملياً في هذه القضية، هو أمرين اثنين:

الأول: تقاعس الدولة بمؤسساتها وأجهزتها وقضائها، ووقوفها موقف المتفرج حيال التهديد الذي وصل الى الصحافي بركات، رغم مرور أكثر من شهرين على الحادثة، ورغم تقدّم عمته بشكوى الى النيابة العامة في النبطية حسب الأصول القانونية، وهو ما يشكّل “صكا” بالموافقة للجهة المُرسلة كي تقوم بتنفيذ تهديدها لا سمح الله. ومن يقف على الحياد في المعركة بين الحق والباطل فقد خذل الحق ولم ينصره على ما يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

الثاني: غياب أي رد فعل أو موقف تضامني مع الصحافي بركات، ولا سيّما من زملاء مهنة “البحث عن المتاعب”، وهو أمر مُسْتغرب للغاية، باستثناء الموقف التضامني “المُتأخّر” من نقيب محرّري الصحافة جوزيف القصيفي.

في النهاية وبمعزل عن الموقف ممّا يكتبه الصحافي محمد بركات أو ما يقوله على منبره الخاص على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الوقوف الى جانبه اليوم هو واجب على كل حرٍّ في هذا البلد، وهم مع الأسف قلة، ومع الأسف أكثر أنها قلة آخذة في الاندثار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى