محليات

باسيل على نهج عمه: أنا أو الخراب

لبنان عربي – سامر زريق

في خطاب “الظهيرة” الطويل والمفخخ أمس الأول، أوقع جبران باسيل نفسه في خطأين بارزين، يناقضان تماماً النسق الأيديولوجي المسيحي الذي يغلّف كل خطابه السياسي.

الأول، هو وضع باسيل حقوق المسيحيين أمانة لدى أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله.

والثاني الهجوم العنيف على القوات اللبنانية، من دون سبب وجيه أو مقنع.

وإذا كان الهجوم على الرئيس بري، او على الرئيس سعد الحريري متوقعاً، فإن الهجوم على القوات بدا من خارج السياق، لا سيما أن القوات تنأى بنفسها عن الحرب السياسية الضروس بين رئيس الجمهورية وصهره من جهة، والرئيس المكلف سعد الحريري من جهة ثانية، منذ تكليف الأخير رغماً عنهما، والتي ازدادت ضراوة بعد انضمام رئيس المجلس النيابي نبيه بري اليها، حيث تكتفي القوات بالثبات على مطلب الانتخابات النيابية، مع بعض الإنتقادات الخجولة الموجهة الى رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، مبتعدة تماماً عن أي اصطفاف سياسي.

وبالتالي كنا حرياً بباسيل تحييد القوات عن مرمى مدافعه الكلامية حرصاً على وحدة صف المسيحي الذي يدّعي الدفاع عنه.

ومن جانب آخر، كيف يريد باسيل تحصيل حقوق المسيحيين عندما يودعها أمانة لدى امين عام حزب الله؟.

يبدو باسيل في إستغاثته بنصر الله كمن يريد إحراج الأخير، أكثر من سعيه المزعوم لتحصيل حقوق المسيحيين، ودفعه الى ولوج المستنقع السياسي، وعدم الاكتفاء بالحياد السلبي، حسبما يراه رئيس الجمهورية في احدى المقابلات التي أجراها، مقتبساً إحدى حكم الإمام علي بن أبي طالب: “المحايد خذل الحق ولم ينصر الباطل”.

علاوة على أن إستئمان باسيل لنصر الله على حقوق المسيحيين، يعد استمراراً للسردية التي ارتكز عليها التيار الوطني الحر منذ عام 2005 الى اليوم، وهي ربط حقوق المسيحيين بتحالف الأقليات.

هذه السردية لطالما كانت السلاح الأمضى والأنجع الذي ارتكز عليه التيار الوطني الحر لالتهام الحصص الوزارية والمناصب والوظائف، وحصرها بمحازبيه ومحظييه فقط، مكللاً ذلك بالوصول الى رئاسة الجمهورية.

لكن هذه الاستراتيجية لم تعد تجدي نفعاً بعد التطورات الهائلة التي شهدتها الساحة اللبنانية منذ أواخر العام 2019، فالأزمة الاقتصادية والمعيشية القاسية، وانفجار ميناء بيروت وتدمير نصف العاصمة لا سيما المناطق المسيحية منها، أفرغا الخطاب العوني من مضمونه، وجعلاه مجرد رواية ممجوجة باتت محط إنتقاد مسيحي ملحوظ.

ولم يعد حزب الله في نظر المسيحيين درع الأمان الذي يستطيعون الاتكاء عليه في مواجهة السنية السياسية وحلفائها، كما تقول الرواية العونية. فالاهتمام تحول الى سائر الأمور الحياتية، بعدما فقدت الطبقة الوسطى مدخراتها، وتهاوت العملة الوطنية، وشحت المواد الحياتية الأساسية، وبات لبنان مرذولاً من أميركا وكبرى الدول الأوروبية التي طالما اعتبرها المسيحيون السند والظهير السياسي، وكذلك الدول الخليجية التي إحتضنت اللبنانيين من مسيحيين ومسلمين لعقود خلت.

ولا يمكن لخطاب باسيل أن يحجب وجود سخط عارم في الشارع المسيحي على حزب الله كما على سائر الفرقاء السياسيين ومنهم تياره، هذا الجو الذي يعبر عنه البطريرك الماروني في عظاته وفي كل إطلالة إعلامية له.

بالتأكيد باسيل يعلم كل هذا، وما يظهر على أنه خطأ أو خطوة غير محسوبة، هي على العكس تماماً من ذلك، هي خطوات مقصودة لذاتها وضمن سياق رسمه باسيل وعمه ومستشاريهما يظهر رويداً رويداً.

فهو يهدف من كل خطواته وخطاباته الى توتير الأوضاع السياسية الى أقصى حد ممكن، وصولاً الى تفجير الساحة السياسية، مقامراً بكل شيء من أجل استجرار إهتمام دولي يتبع الانهيار ويضمن له مقعداً زعاماتياً متقدماً عندما يحين وقت الجلوس الى الطاولة.

ووضمن هذا السياق يبدو طبيعياً هجوم باسيل العنيف على كل الأحزاب والتيارات السياسية، وعلى أي منافس محتمل على الساحة المسيحية، حيث لا يرى باسيل سبيلاً آخر لاعادة تعويم نفسه وإنتاج حضوره، بعدما سُدت أمامه كل السبل الأخرى. وفي هذا الاطار، من المفيد الإستئناس بكلام نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي، الذي يكثف في الآونة الاخيرة من إطلالاته الإعلامية لشرح فكرة باسيل وفريقه الشيطانية، والتحذير من خطورة ما يقوم به على اللبنانيين جميعهم مسيحيين ومسلمين، وعلى ما تبقى من مؤسسات الدولة.

والفرزلي لا ينفك عن التذكير بما قام به عون أواخر الثمانينات إبان ترؤسه الحكومة العسكرية، عندما قامر وغامر بكل شيء من أجل رئاسة الجمهورية.

واذا كان الولد سر ابيه، ففي حالتنا هذه الصهر سر عمه، يحذو حذوه خطوة بخطوة، وفق قاعدة إما كل شيء وإما لا شيء، فإما الرئاسة وإما لا حكومة ولا كيان ولا بلد، ولتذهب مؤسسات الدولة الى الحجيم.

وبهذا يقامر باسيل كما قامر عمه من قبل، يومها أرسلنا الى الخراب والحروب العبثية، واليوم بشّرنا اننا نتجه الى جهنم، في الحالة الأولى كان عون ربّان السفينة، اما اليوم فلسفينته جبران، تغيّر الربّان لكن الطريق واحدة…

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى