محليات

رسالة عون الى مجلس النواب: بعبدا تستجدي اشتباكاً طائفياً مع الحريري؟

لبنان عربي – سامر زريق

يعلم رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل وفريق المستشارين المحيط بهما تمام العلم أن الرسالة التي وجهها عون الى المجلس النيابي لن تُفلح في سحب التكليف من الرئيس سعد الحريري، وأنها ليست لها أية مفاعيل من الناحية الدستورية، خاصة في ظل وجود أكثرية مؤيدة للحريري حتى ولو كانت ضئيلة.

إذن ما هدف عون من هذه الرسالة؟

إن الهدف الرئيسي من رسالة عون الى المجلس النيابي هو الضغط على الرئيس المكلف ليس لدفعه الى الإعتذار كما يتم التسويق، بل على العكس تماماً، يريد عون وفريقه إستفزاز الحريري ودفعه الى الخوض في صراع طائفي يسعى إليه عون ورهطه منذ فترة طويلة. ويراهن عون على إثارة غضب الحريري وإستدراجه الى الرد على هذه الخطوة بكلام عالي النبرة يستهدف رئيس الجمهورية وصهره بهدف تحويل الصراع السياسي الى صراع طائفي بين السنة والمسيحيين.

منذ إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي، لم يعد أمام عون ما يدافع به عن نفسه سوى أنه حامي المسيحيين ليس في لبنان فحسب، بل في المشرق بأكمله. لذا كان لا بد من التصادم مع رموز سياسية من طوائف اخرى بهدف زيادة منسوب الشحن الطائفي الى الحد الأقصى. بالطبع لا يستطيع عون إستدراج الشيعة الى مثل هذا الصراع بحكم تحالفه الوثيق مع حزب الله، و”الحُرُم” الذي يفرضه الأخير على عون لمنعه من التصادم مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. كما أن محاولة خلق صراع مع الدروز لن تكون ذات جدوى، خاصة مع مسارعة وليد جنبلاط الى التموضع بعيداً عن الصراعات السياسية، وتسويقه للتسوية بين جميع الأفرقاء السياسيين على قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”.

لذا يظهر السنة كأنهم الخيار الأمثل لعون، فعدا عن ما يكنه من مشاعر كره واضحة تجاه السنية السياسية والحريرية، يبدو السنة الهدف الأسهل في سعيه الحثيث لخلق صراع طائفي يمد عهده “بأوكسيجين” طائفي يمنحه هامشاً كبيراً من الحركة السياسية، ويحوله مع صهره من عقبة أمام كل الحلول والمبادرات الدولية والعربية، الى طرف في صراع طائفي لا بد من الوقوف على آرائه وطلباته، ويعيد تجميع بعض الاوراق المسيحية في يديه بحكم ما تفرضه ضراوة المواجهة السياسية الطائفية.

فالسنة حالياً يعانون من حالة ضعف وترهل وتخبط سياسي غير مسبوق منذ إتفاق الطائف، خاصة مع غياب الدعم العربي والظهير الخارجي، الأمر الذي أدى الى تحول الشارع السني الى ساحة صراع وتجاذب بين الحريري وبعض منافسيه من ذوي القربى سياسياً وعائلياً، وظهور آثار الأزمة الإقتصادية على السنة أكثر من غيرهم. وبالتالي ليس هناك ما يخشاه عون من صراع طائفي مع السنة، وهو الذي لم يسعَ يوماً الى خطب ودهم منذ عودته من منفاه الفرنسي.

كما أن عون يحاول الإستفادة من مناخ المصالحات والحوار السعودي الايراني، بالإضافة الى وجود حالة من الرفض السعودي للحريري، فيقوم بتسعير الخلاف مع الأخير عله ينجح في فتح كوّة في الجدار السعودي، تسمح له بعقد صفقة على رأس الحريري يعيد فيها تعويم نفسه وعهده.

أما لماذا إختار هذا التوقيت بالذات، علماً أن الفريق الرئاسي يلمح الى القيام بهذه الخطوة منذ فترة لا بأس بها، فذلك مردّه الى الرغبة في الهاء الناس بالصراع بين الرئاستين والجدل والصراع الكلامي على ضفتيهما، بغية حرف أنظار اللبنانيين عن الفضيحة الديبلوماسية التي أثارها كلام وزير الخارجية العوني شربل وهبة والتخفيف من آثارها.

فالزوبعة التي نتجت عن مقابلة وهبة المتلفزة، لا يملك العهد القدرة على إحتوائها ولملمة ذيولها سوى عبر إفتعال مشكلة ذات صدى اكبر، في الوقت الذي يرسل المراسيل وبعض المستشارين سّراً الى السفير السعودي، لتقديم أسمى آيات الإعتذار، وتجديد العرض العوني بالموافقة على أي إسمٍ تختاره الرياض بديلاً للحريري.

هل يعود تبادل الضحكات بين ميشال عون وسعد الحريري؟

إن الدخول في صراع طائفي مع عون هو كمن “يرشُّ” قليلاً من الماء على وجه العهد، معيداً اليه بعضاً من النضارة التي يفتقدها، بعد أن “نشَّف” الوجه، وغلبت عليه التجاعيد وسائر إمارات الشيخوخة والعجز.

والرئيس المكلف سعد الحريري يعي جيداً الرغبة الرئاسية في خلق صراع طائفي مع السنة منذ تكليفه، لذلك استخدم مع رئيس الجمهورية أقصى درجات ضبط النفس في مواجهة كل الإستفزازات العونية التي وصلت الى مستوى من الإنحطاط غير مسبوق، مثل التسريب الرئاسي المقصود لفيديو يتهم فيه عون الحريري بالكذب مباشرة، او بإرسال دراج من قوى الأمن الداخلي اليه يحمل تشكيلة حكومية متكاملة، مرفقة بعبارة من المستحسن تعبئتها كما مخاطبته بالرئيس السابق، وغيرها الكثير.

في كل محطة من تلك المحطات كان الحريري يستطيع التصعيد طائفياً الى الحد الأقصى، لكنه لم يفعل، كما أنه أحجم عن التكتل والتمترس خلف تحالفات سياسية مع أي فريق كان، كي لا يمنح عون أي صدقية في كلامه عن تحالف إسلامي ضده.

أما اليوم فردود الفعل الاولية والتسريبات تتحدث عن رد قاسٍ للحريري على رسالة رئيس الجمهورية، لكننا نأمل أن لا يجنح الرئيس المكلف الى المستنقع الطائفي الذي يحاول عون جره إليه، وأن يبقى الرد مهما كانت قساوته في السياسة والسياسة فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى