محليات

سعد الحريري والاعلام: خسائر متراكمة

لبنان عربي – جواد العلي

اشتدت الضغوط على الرئيس المكلف سعد الحريري، وانهالت التحليلات والتسريبات التي تحمله مسؤولية عرقلة تأليف الحكومة، بعد أن استمر جبران باسيل يحتل مقعد الصدارة في التعطيل طوال الأشهر الماضية.

فبعد خطاب الحريري العالي السقف في المجلس النيابي، انقلبت الأوضاع رأساً على عقب، ونجح باسيل في قلب المعادلة، وإنهاء مفاعيل الخطاب، وتصوير الحريري على أنه المعطل والمعرقل والمتكاسل عن التأليف.

هذا التحول الدراماتيكي لم يكن ليحدث، بمعزل عمن هو المعطل فعلاً، لم لو يكن الحريري يعاني من ضعف بنيوي ومزمن في سياسته الإعلامية، وهو الذي تولدت فكرة حوله ان جميع المعارك السياسية التي خاضها، خرج منها في الإعلام خاسراً حتى عندما كان يعد نفسه فائزاً.

فكلما إتخذ الحريري موقفاً سياسياً جريئاً ومتقدماً، كما يطمح أنصاره ومؤيديه، انعكس الأمر وبالاً عليه في المجال الإعلامي، وهزيمة سياسية جديدة يضمها الى سجله الحافل، بسبب عدم تسويقه إعلامياً كما ينبغي.

لا شك أن جميع الأطراف السياسية تسعى دائماً للحفاظ على حيز واسع من الحضور في الإعلام، عبر إعلاميين موالين يتم زرعهم في مختلف المؤسسات الإعلامية، أو عبر نسج علاقات مع صحافيين وكتاب، يتولون التعبير عن أفكار هذا السياسي، أو تسويق آراء ذاك الزعيم، حتى ولو لم يكونوا من مؤيديه، فهذا جزء من اللعبة الإعلامية.

ولا شك أن الصحافي يسعى دائماً الى علاقات مع مختلف الأطراف السياسية، للحصول على أخبار منهم، ومعلومات نوعية تُعلي من قدره المهني. وفي المقابل، يقوم السياسي بالترويج لأفكاره، أو تسريب أخبار تنال من خصومه.

لكن كل هذا  لا يسري على الحريري. فالرجل حتى عندما كان يمتلك مؤسسات إعلامية كان يعاني من هذا الضعف في الحضور الإعلامي، وكانت الإشاعات تنال منه بشدة.
وهو منذ دخل عالم السياسة، بنى لنفسه صورة إعلامية للشاب الهادئ، النقي القلب، القريب من فكر الشباب اللبناني، مصوراً نفسه على أنه حمل وديع بين الوحوش السياسية الكاسرة التي تريد إفتراسه. هذه الصورة خدمته كثيراً ولسنوات، لكن الرجل بقي أسيرها حتى اليوم، على الرغم من إنتهاء صلاحيتها منذ زمن، وتحديداً منذ أبرم التسوية الرئاسية المشؤومة، ثم أتت إنتفاضة 17 تشرين لتقضي تماماً عليها.

إن السياسة الإعلامية لأي زعيم أو سياسي، يحددها الشخص نفسه ويرسم أطرها، ويعمل المستشارون والمساعدون على الترويج لها، لا كما يحاول البعض الترويج بأن مستشاري الحريري هم العلة والسبب في الأخطاء الكارثية التي حصلت، والقرارات التي إتُخذت، والصورة الإعلامية الهزيلة والبائسة التي يظهر فيها. لذا فهو يتحمل المسؤولية الكاملة عن ترهل صورته الإعلامية، وتحوله الى هدف للتصويب من الأقربين والأبعدين.

فالحريري يؤثر البعد عن الإعلام، معتمداً الصمت المقدس، والصيام عن المقابلات والتسريبات والخبريات والمواقف، مع أنه حاضر دائما ويوميا في الإعلام، بفضل هجوم خصومه وحلفائه عليه، استغلالاً لضعفه الإعلامي المزمن.

وهو بالضبط ما يحدث اليوم، فقد إجتمع الإعلام بكل أطيافه على تحميل الحريري مسؤولية الجمود الحكومي، مع أن كل فئة لديها هدف مختلف عن الفئة الأخرى، لكن الأهداف التقت في التصويب على الحريري.

رئيس الجمهورية وصهره في الطليعة بحكم المعركة السياسية التي يخوضونها معه. حزب الله خصمه اللدود، الذي يؤيده لرئاسة الحكومة، لكنه يطلق العنان لمستكتبيه للهجوم عليه في كل وقت وحين، فتأييده للحريري هو مرحلي وعابر، أما الخصومة معه ومع ما يمثل محلياً وعربياً فهي الباقية.

القوات يصوبون عليه كجزء من حملتهم على كل أركان السلطة بهدف الوصول للإنتخابات، وليد جنبلاط يسوق لحياديته على حسابه، شقيقه بهاء يسعى للإنتقام منه بمفعول رجعي، نهاد المشنوق ينشط في تسجيل النقاط عليه، وتهشيم ما بقي من حضوره المحلي والعربي، طامحاً في وراثته سياسياً. مجموعات 17 تشرين، والمعارضون المشرذمون إجتمعوا عليه، فهو الجزء الوحيد “المُتفق عليه” من السلطة التي يختلفون على رحيلها، وطامحون من هنا وهناك يسعون الى تسجيل حضورهم عبر التهجم عليه.

فأصبح الحريري نجماً اعلامياً، إنما ذماً لا مدحاً، حتى أنه نال شفقة وإستعطاف بعض الكتاب الذين إنبروا للدفاع عنه. كما أنه إستهلك وأرهق نائبه في التيار، الدكتور مصطفى علوش، الذي تحول الى ممثل الحريري الأوحد في الإعلام، متنقلاً من شاشة الى أخرى، ومن إذاعة الى موقع إعلامي، حتى يخال المرء أنه إعتزل عمله كجراح ماهر، وتفرغ للدفاع عن الحريري.
هل يستحق الحريري كل هذا الهجوم؟ مع الأسف الشديد نعم، لا لأنه معطل ومعرقل، ولا لأنه سياسي مثل أقرانه لم يستطع إنقاذ لبنان من الإنهيار، ولا لأي سبب آخر، بل لأنه لم ينجح خلال ستة عشر عاماً في صنع حضور إعلامي له، ولأنه إستخف دائماً بالمثقفين والنخب الفكرية والاعلامية، وأبى الوصال معهم. لم يسلك درب والده الشهيد الكبير، الذي كان يجتمع بجميع الكتاب والصحافيين بشكل دوري، ويتخذ من بينهم جلساء وأصدقاء، وكان يسعى دوماً الى تسويق برنامجه للحكم وأفكاره وآراءه عبر الإعلام.

الرئيس الحريري في وضعه الإعلامي الحالي، هو كالملاكم الذي يخوض نزالاً شرساً مع أعتى خصومه، وهو يعلم أنه يتفوق عليه في المستوى وفي الحضور الجماهيري، وأنه حاز على تأييد اللجنة التحكيمية بفضل آدائه. لكن خصمه نجح في توجيه ضربات تحت الحزام اليه، وقام بالتغطية عليها عبر “النطنطة” أمام الحكم، والصراخ أمام الجماهير حيناً والبكاء حيناً آخر، ورسْم إشارة القلب أمام وسائل الإعلام، مما أدى الى تسجيل هذه الضربات كنقاط له لا عليه، مع أنها مخالفة للقانون، وترك الحريري أمام ثلاث خيارات: إما الخسارة بالنقاط، أو بالضربة القاضية، أو الإنسحاب من حلبة النزال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى