محليات

طرابلس بين ثقافة الموت وثقافة الحياة! كيف ستكون الانتخابات؟

 

لبنان عربي – إبراهيم فواز نشابة

في إطار الحديث عن مدينة طرابلس وما تعيشه من تحديات اجتماعية واقتصادية ضاغطة، وصلت الى درجة الانهيار التام والسقوط المدوي الى ما دون خط الفقر. تأتي ضرورة البحث عن الحلول طالما أن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا الوضع، وبموضوعية علمية، معروفة. فهي في أغلبها تعود الى القرارات السياسية المشؤومة لتحويل المدينة المملوكية الثانية بعد القاهرة، وعاصمة لبنان الثانية، الى مدينة منكوبة مشوهة مشرعة أبوابها للجهل والفقر والجريمة والعنف والتطرف والإرهاب، وكل الأعمال المُخلّة بالأمن والاستقرار.

هي المدينة المستهدفة بشعبها المثقف الذي استحق لقب العلم والعلماء، حيث سمحت الغرف السوداء باقتحام شوارع المدينة وأسواقها، وكل زاوية فيها، من القتلة المأجورين للعلم والمعرفة وثقافة الحياة، لتتحول الى دائرة مفرغة من سكانها الأصليين.

دخل اليها آلاف النازحين والمهجرين والمطلوبين للعدالة، فتحولت من نقطة انطلاق للتجارة والذهب والقمح وكل المنتوجات المحلية والعابرة للحدود، الى نقطة انطلاق للحروب واقتتال الشوارع والفتن الطائفية، ما جعلها صندوق بريد للسياسيين، يضعون فيها رسائلهم السياسية والانتخابية، ويشرعون لأنفسهم السلطة النهائية والأبدية على جماعات تتقاتل باسم الدين، أو باسم الزعيم.

الى أن وصلت الى لقمة العيش، حيث بات الفقر عنوان كل المراحل السياسية والانتخابية الذي أبقى على أمراء المدينة من نواب ووزراء ورؤساء حكومات، ولعشرات السنوات، هم أصحاب الخزان البشرين الانتخابي يتحكّمون به بحفنة من الدولارات ضاربين عرض الحائط كرامة أهل المدينة وتاريخها وجذورها الممتدة في أقدم حضارات العالم.

ها هي طرابلس تنزف حتى الموت منذ عشرات السنوات، من الفقر والبطالة والتسرب المدرسي وانحراف الشباب في تعاطي الممنوعات والمخدرات الى درجة الانتحار اليومي، إلا أن الدولة لم تحرك ساكناً، كما لم تغير البرامج التنموية للجمعيات الدولية والمحلية، ولا حتى جمعيات السياسيين شيئاً.

ملايين الدولارات تصرف على تشويه الفكر الحر، وشراء العقول، وتثبيت مبدأ الفقر والبطالة والتهميش، مقابل البقاء على عرش السلطة، وتنفيذ أجندات الدول الكبرى التي تدفع من أجل توطين الفلسطينيين والسوريين المليارات من الدولارات، ولا تدفع دولاراً واحداً من أجل نهضة هذه المدينة التاريخية.

بناء عليه،  يقودنا هذا التحليل إلى مواجهة وتهيأة الظروف لحياة أحسن لأبناء طرابلس، ولأن سياساتنا وأفعالنا هي انعكاس لأفكارنا، فإن الفكر هو بالضرورة المسؤول. وبالتالي لا بد أن نقدم الحلول التي تبدأ بمراجعة كل ما تعرضت له المدينة في السنوات الماضية، عبر زرع أفكار جديدة بعيدة عن الطائفية والمذهبية والتبعية العمياء لزعيم الطائفة أو الحزب أو قادة المحاور القتالية، التي فرضت معالم الواقع الكارثي الذي تعيشه طرابلس على كل المستويات .

تأسيساً على ما تقدم، ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي لا أحد منا يمكنه أن يُخفي قلقه وحيرته وارتيابه من الواقع الذي تعيشه طرابلس وأبنائها، سواء من ينتمي للفكر الحر أو من اختار سجن حريته بيده، فلم تترك لنا الأوضاع المعيشية الكارثية ما يمكن أن نميز به بين الفكرين حينما نتحدث عن ما تواجهه المدينة من أزمات حادة وتحديات قد تصل الى حدود الانفجار، فما نعيشه اليوم لا يبعث على الاطمئنان والراحة، بل هو بحق مدعاة للقلق من غدٍ قد نفقد معه كل آمالنا وأمنياتنا، ومعه أيضاً تصعب حياة الأجيال القادمة، حياة نأمل أن ينعموا في كنفها بالأمن والسلام.

فهل لنا أن نأمل من خلال الانتخابات النيابية المقبلة بتغيير هذه الصورة المظلمة؟ هل سيحاسب الناس الطبقة السياسية التي جعلتهم يشحذون رغيف الخبز؟ هل ستعود طرابلس الى مجدها؟

إن واقع الحال يشير دون أدنى شك الى خطورة وصعوبة الوضع، ومع ذلك فالإنسان يملك من القوة ما يؤهله الى المجابهة وتدارك الأمر قبل فوات الأوان، لسبب بسيط، ذلك أن الواقع الذي نعيشه بكل سلبياته وعلى جميع المستويات هو انعكاس للأفكار التي خلقته، فتغيير الانسان لأفكاره  وسلوكياته كفيل بتغيير الواقع المتردي الذي نعيشه،”فالأفكار هي التي تحكم العالم” حسب قول الفيلسوف والمفكر أوغست كونت.

فهل نستطيع أن نحكم أنفسنا أولاً؟ هل نستطيع التحرر من هذا السجن الطائفي؟ تبقى الخيارات مفتوحة على كل الإحتمالات خاصة أن التغيير بالافكار قد يحتاج الى سنوات وسنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى