محليات

ما علاقة اتفاق الطائف بالحملة على القاضي بيطار؟

لبنان عربي – سامر زريق

 

تصدرت رسالة التهديد التي أرسلها وفيق صفا الى المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، واجهة الاحداث السياسية في بلد مأزوم من كل الجوانب.

تندرج الرسالة ضمن المسار الذي انتهجه حزب الله للتعبير عن رأيه المعلن في القاضي بيطار. فالأمين العام للحزب إياه لا يفوت فرصة، إلا ويوجه سهامه فيها الى القاضي بيطار متهماً إياه بالتحيز.

لنترك المعلن الى المضمر، هل يريد حزب الله فعلاً تنحية القاضي بيطار؟ وهل هو يعني ما يقول؟

كلا، كل التهديدات الكلامية التي يوجهها الحزب الى بيطار، هي لزيادة شعبية الرجل في العمق المسيحي، ولمنحه حصانة شعبية وطائفية تحميه من السياسيين الذي اتهمهم، ومن القوى التي ينتمون اليها.

إن التحقيقات في قضية المرفأ، هي السلاح الأمضى في يد الحلف المقدس، حزب الله والتيار الوطني الحر، لإسقاط اتفاق الطائف وقواه الحارسة. ليست من باب المصادفة أبداً أن لائحة المتهمين تضم خصوم عون، وفي نفس الوقت القوى المدافعة عن الطائف.

فالطرفان يُكنّان كراهة غير مستترة لاتفاق الطائف، ويعملان سراً وعلانية منذ سنوات على إسقاطه، عبر ممارسات عرجاء، وخروقات لا تنقطع للدستور، حيث يطمح الطرفان الى إنشاء نظام سياسي جديد على أنقاض نظام الطائف.

وما يقوم به حزب الله في قضية المرفأ، هو تقسيم أدوار بينه وبين عون وتياره، ضمن إطار سيناريو محبوك للقضاء على قوى الطائف. وكلما وقع القاضي في مأزق سياسي أو قانوني، أتاه الاسناد من حزب الله، برشقة اتهامات، يقابلها مزيد من الاحتضان المسيحي للرجل.

وقد نجح العونيون خلال الأشهر الماضية في تحويل انفجار المرفأ، من قضية وطنية الى قضية مسيحية، عبر حملة إعلامية إعلانية ضخمة، جعلت الطائفة السنية كلها في موقع الاتهام بالتسبب في حصول الانفجار.

ما ساعدهم على تحقيق مأربهم، هو شعبوية باقي القوى المسيحية، وعلى رأسها القوات اللبنانية، التي تزايد على التيار الوطني الحر في مسيحية القضية. فالحصول على الحصة الاكبر من المقاعد البرلمانية المسيحية يتطلب خطاباً شعبوياً موغل في مسيحيته.

تأتي الطائفة السنية على رأس لائحة الأهداف، فهي الراعية والحامية للاتفاق، ورجالاتها على اختلاف مشاربهم السياسية متفقين على تحريم المساس به.

لذلك تعتبر مذكرة الإحضار، التي سطّرها القاضي بيطار، بحق الرئيس حسان دياب، مفتاح الولوج الى العمق السني.

وهو على الرغم من بيان المجلس الشرعي الاسلامي الأعلى الأخير يوم السبت الماضي، أرسل دورية من أمن الدولة الى منزل دياب، في رسالة تحد واستفزاز الى المجلس الشرعي الاسلامي والى السنة كلهم، علماً ان مدير الجهاز نفسه امتنع عن المثول أمام المحقق العدلي بنفس ذريعة دياب والوزراء المتهمين، أي الحصانة، لكنه حصانته من نوع آخر، فهي برتقالية تُعْمي العيون والبصائر.

ثم بعد دياب، الدور على الحريري. ليس مهماً أن تكون شعبية الحريري في الحضيض، فحتى وإن خسر نصف كتلته في الانتخابات الأخيرة، وخرج من السراي الحكومي، إلا أنه لا يزال يُعامل على أنه السني الأول.

وعندما يتم اتهامه سيعني ذلك مباشرة اتهام الطائفة بأكملها، مهما حاول بعض السنة التبرؤ، فاتهام السنة بأنهم داعشيون ظلاميون وبرابرة يطفو على سطح وسائل التواصل الإجتماعي، هذا قبل توجيه اتهام رسمي الى الحريري أو الى أقرانه من رؤساء الحكومات فكيف الحال بعد الاتهام؟

ولتجهيز الأرضية لاتهام الحريري، يقوم باسيل بحملة إعلامية استباقية ضد الأخير، من مظاهرها قيام أحد المواقع الالكترونية المعروف بقربه من العهد وجهازه الأمني المفضل، طيلة يوم كامل، ببثّ أخبار مغلوطة تمس بالحريري بشكل متعمد، ثم أورد كذلك خبراً منقولاً عن المحقق العدلي بيطار، أنه قريباً سيخلي سبيل بعض الموقوفين بعدما يسجن عدداً من الرؤوس الكبيرة!

وبعد الحريري، العيون البرتقالية شاخصة الى الرئيس بري. يجدر التوقف كثيراً عند المقابلة التي أجراها مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم، ولا سيما التوقيت. فمن ثناياها تدفقت الرسائل السياسية العميقة. فقد كان اللواء ابراهيم، في متن اللقاء أقرب الى التعبير عن الفكر العوني.

يستطيع المتمعن في كلام اللواء، الاستنتاج أن الأخير ربما سيكون مرشح العهد لخلافة بري في سدة الرئاسة الثانية، خاصة أنه ثمة سؤال تم طرحه وتسويقه عمداً في السوق الإعلامية ومفاده هل سيخوض الرئيس بري الانتخابات النيابية؟

أما الاتهامات الموجهة الى الوزير يوسف فنيانوس، فهي لإبعاد الوزير سليمان فرنجية عن السباق الرئاسي، أو على الأقل، التقليل من حظوظه في منافسة ولي العهد.

يبقى الداهية وليد جنبلاط، والذي كان اول من قرأ هذا المسار وتوقع مآلاته، فحيّد نفسه وهو العارف أن دوره قادم لا محالة.

حسناً، لماذا اختار حزب الله هذا التوقيت لرسالة وفيق صفا؟

لأن القاضي بيطار يتعرض الى حملة ضغوط منظمة، متعددة الأبعاد، سياسياً وقانونياً وطائفياً، تعمل على تجميع سقطاته، واظهارعدم حياديته، لوضعها أمام الرأي العام.

لذلك أراد حزب الله حرف الأنظار عن كل ذلك، ومنح القوى المسيحية الذريعة للحديث عن تكتل إسلامي في وجه بيطار، مما يجعله بطلاً في نظر الشارع المسيحي، ويحصّنه ويمنحه القدرة على إكمال مساره الموجه من بعبدا للقضاء على الطائف، وهو أمر يقرّ به بيطار نفسه.

كما أن الحزب في نفس الوقت يُبعد عن نفسه الاتهامات الموجهة اليه من حركة أمل بالوقوف خلف الحملات العونية لتحطيمها.

لن يفوت حلف حزب الله – عون مثل هذه الفرصة للانقضاض على قوى الطائف مجتمعة. لو كان حزب الله يريد إبعاد القاضي بيطار، لأّتخذ مسلكاً مختلفاً تماماً.

فالحزب الذي اجتاح بيروت في 7 أيار من أجل ضابط في أمن المطار، وأسقط حكومة الحريري الأولى من أجل قضية شهود الزور، بالتأكيد لن يكتفي بكلام تهديدي.

اغتيال لقمان سليم يؤكد ذلك!!

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى